هل تُعاد صياغة التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط من خلال التحالفات الرسمية وحدها؟
أم أصبحت الاستثمارات السيادية والعلاقات الشخصية وشبكات النفوذ جزءًا من معادلة القوة؟
يفتح ملخص كتاب الصحفي الاستقصائي ماثيو كول - Matthew Cole فى كتابه أمراء ولصوص: المخطط السري لجاريد كوشنر ومحمد بن زايد لإعادة تشكيل الشرق الأوسط - ، Princes and Thieves: Jared Kushner and Mohamed bin Zayed’s Secret Plot to Remake the Middle East، هذا السؤال من خلال الحديث عن علاقات مالية وسياسية تربط جاريد كوشنر بقيادات خليجية. غير أن القراءة الجيوسياسية للكتاب تقتضي الفصل بين ما يطرحه التحقيق، وما تثبته المصادر المستقلة، وما يمكن استنتاجه بشأن التحولات الاستراتيجية في الإقليم.
![]() |
| تصميم تحريري يربط صورة جاريد كوشنر بخريطة الشرق الأوسط، في سياق كتاب Princes and Thieves للصحفي الاستقصائي ماثيو كول. الصورة توضيحية وليست خريطة تحليلية مستقلة. |
كتاب "أمراء ولصوص" وكوشنر والمال الخليجي
صدر كتاب أمراء ولصوص للصحفي ماثيو كول في 25 أكتوبر 2026، وفق ما صرحت به Simon & Schuster. ومخلص الكتاب يعرض رواية المؤلف من خلال عمله كصحفى، عن شبكة مصالح تربط كوشنر بمحمد بن زايد آل نهيان ومحمد بن سلمان، وتجمع بين العلاقات الشخصية والمال والدبلوماسية ومصالح إقليمية تشمل إسرائيل وإيران وفلسطين.
وفي مقتطف نشرته مجلة فانيتي فير Vanity Fair، تناول كول مزاعم تتعلق بهاتف كوشنر وحسابات وتحويلات مالية قيل إنها تربطه بجهات في الإمارات والسعودية وإسرائيل. غير أن هذه الرواية لا يجوز عرضها بوصفها حقائق حسمت بصورة مؤكدة. ففي رد منشور بتاريخ 22 أكتوبر 2026، نفى كوشنر ومحاموه الادعاءات المتعلقة بالحسابات المزعومة، وطعنوا في عدد من روايات التحقيق.
لم يتسنى لنا بعد قراءة الكتاب، غير أن العنوان وما أثير حوله من نقاشات على مواقع التواصل الاجتماعية؛ يجعل فتح النقاش حول علاقة رأسالمال بالسلطة أمرا هاما وضرورى كمحاولة لفهم ما سوف تسفر عنه الأحداث الحالية من احتماليات كبيرة فى تغيير فى خريطة موازين القومى العالمية، وبالتالى الاقليمية.
ومن الناحية الأكاديمية، لا يقتضي التعامل التحليلى مع القضية التى تتبناها رواية الكتاب باعتبارها حقيقة مؤكدة، أو رفضها كليا لمجرد اعتراض الأطراف المعنية؛ بل يقتضي فحص الأدلة التي تستند إليها كل رواية. فإثبات وجود حساب مصرفي لا يثبت وحده هوية المستفيد الفعلي منه، وإثبات تحويل مالي لا يثبت أن التحويل كان مقابل قرار سياسي. كذلك فإن توافق قرار ما مع مصالح طرف معين لا يثبت أن هذا الطرف تسبب في اتخاذ القرار.
لذا لا ينبغي علينا اختزال السؤال في ما إذا كان هناك "مخطط سري" لإعادة تشكيل الشرق الأوسط؟ بل يجب البحث في طبيعة شبكة تلك العلاقات المزعومة، وفي مدى قدرتها على التأثير في قرارات محددة، وفي الأدلة التي تربط بين العلاقة المالية والنتيجة السياسية.
أموال الخليج وشركة كوشنر: بين الإدعاء وما تثبته الوقائع
بالفعل توجد علاقات استثمارية موثقة بين شركة Affinity Partners، التي أسسها كوشنر بعد مغادرته البيت الأبيض عام 2021، ومستثمرين من الخليج. وقد أفاد تقرير رويترز في 28 مارس 2025 بأن الأصول التي تديرها الشركة ارتفعت إلى نحو 4.8 مليارات دولار في نهاية 2024، بعد تدفقات رأسمالية إضافية من مستثمرين شملوا شركة لونيت (Lunate) في أبوظبي وهيئة قطر للاستثمار. كما أورد التقرير، استنادا إلى معلومات محققين في الكونجرس الأمريكي، أن صندوق الاستثمارات العامة السعودي كان قد استثمر ملياري دولار في الشركة ذاتها.
هذه الوقائع تثير أسئلة مشروعة جدا حول تضارب المصالح، وفترات الانتقال بين الخدمة العامة والعمل الاستثماري، وشفافية التمويل، وكفاية آليات الإفصاح والرقابة. ومع ذلك، فهى لا تثبت وحدها أن استثمارا بعينه كان ثمنا لقرار رسمي اتخذه كوشنر أثناء توليه منصبا حكوميا. ويتطلب إثبات ذلك دليلا يربط المعاملة المالية بالقرار، مثل مراسلات أو شهادات مستقلة أو وثائق تكشف وجود طلب محدد واستجابة سياسية مقابلة.
وهنا تظهر ضرورة التمييز بين ثلاثة مستويات. الأول هو الوصول إلى صانع القرار، والثاني هو التأثير في القرار، والثالث هو التحكم في القرار. فقد تتيح العلاقة الشخصية أو المالية الوصول إلى مسؤول نافذ، لكن الوصول لا يعني بالضرورة التأثير؛ كما أن التأثير لا يعني امتلاك القدرة على التحكم في جميع النتائج.
من منظور الاقتصاد السياسي، تكمن أهمية القضية في إمكانية قراءة تداخل مصلحة الرأسمال مع الوظائف العامة، لا في افتراض أن كل استثمار أجنبي هو أداة لشراء القرار السياسي. ومن ثم؛ يصبح السؤال أكثر دقة حين نبحث عن الآليات التي تحول المال إلى نفوذ سياسى: فمن يملك سلطة القرار الاستثماري؟ وما طبيعة العلاقة بين المستثمر والمسؤول السياسى؟ وهل توجد التزامات معلنة أو غير معلنة؟ وهل يمكن ربط ذلك بقرار رسمي سياسى محدد؟
اتفاقات أبراهام: تحول معلن في التحالفات الإقليمية
تُعد اتفاقات أبراهام من أهم التحولات التي ينبغي وضع الكتاب في سياقها. فقد شهد سبتمبر 2020 توقيع اتفاقات لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات والبحرين، بمشاركة أمريكية مباشرة. وتوثق وثيقة الإعلان الرسمية للبيت الأبيض، المؤرخة في 15 سبتمبر 2020، الأهداف المعلنة المتعلقة بالعلاقات الدبلوماسية والتعاون والتجارة.
![]() |
| مراسم توقيع اتفاقات أبراهام في البيت الأبيض يوم 15 سبتمبر 2020. |
جيوسياسيا، التطبيع لا يكمن فى مجرد فتح سفارات أو توسيع التبادل الدبلوماسى، بل فى أتاح قنوات جديدة للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي والأمني، ناهيك عن الثقافى، ومن ثم أعاد تنظيم بعض العلاقات مع إسرائيل. وقد ناقشت دراسة نشرها مركز كارنيجي للشرق الأوسط في أبريل 2025 أثر حرب غزة في السياق السياسي لهذه الاتفاقات، وكيف ظل مستقبلها مرتبطا بتحولات إقليمية ودولية أوسع.
الاتفاقات نفسها معلنة وموثقة، ولا تشكل وحدها دليلا على وجود تمويل سري أو صفقة غير معلنة. ولإثبات أي صلة بين الأموال الخاصة وشروط التطبيع أو القرارات الأمريكية المرتبطة به، لا بد من أدلة تصل بين أطراف محددة وآلية قرار يمكن تتبعها.
من ناحية اخرى، تكشف القضية الفلسطينية حدود الرهان على بناء ترتيبات إقليمية حول المصالح الأمنية والاقتصادية وحدها. ففي بيان رسمي بتاريخ 5 فبراير 2025، أكدت وزارة الخارجية السعودية أن المملكة لن تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل دون قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. ويبين النص الرسمي للبيان أن مسار التطبيع لا يمكن اختزاله في توافق استراتيجي حول إيران أو المصالح التجارية.
هكذا؛ فإن أي تحليل للخريطة الاستراتيجية الجديدة يجب أن يدرس التوتر بين التعاون الأمني، والمصالح الاقتصادية، والشرعية السياسية، وموقع القضية الفلسطينية في الحسابات الإقليمية. وقد تتقاطع مصالح بعض الأنظمة السياسية في ملف معين، لكن ذلك لا يضمن اتفاقها على جميع شروط النظام الإقليمي الذي تسعى إلى بنائه.
إيران والحرب الإقليمية: النوايا لا تضمن النتائج
تقدم المواجهة مع إيران اختبارا هاما لأي تفسير يتناول إعادة تشكيل استراتيجيات الشرق الأوسط. ووفق تحديث مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي في 23 أكتوبر 2026، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات ضد إيران في 28 فبراير 2026، ثم جرت محاولات لوقف التصعيد عبر وساطة باكستانية وتفاهم في يونيو، قبل تجدد الضربات واستمرار الخلاف بشأن البرنامج النووي ومضيق هرمز والعقوبات. ويتابع مجلس العلاقات الخارجية تطورات المواجهة.
لا يثبت هذا السياق أن شبكة كوشنر المزعومة تسببت في الحرب، ولا يجوز إسناد قرار عسكري بهذا الحجم إلى علاقة مالية دون وثائق مباشرة. لكنه يوضح أن إعادة تشكيل النظام الإقليمي لا تعتمد على نوايا صانعي القرار وحدها؛ فقد تؤدي الحرب إلى نتائج تناقض الأهداف المعلنة، أو ترفع كلفة الأمن، أو تضعف الثقة بالضمانات الخارجية، أو تدفع دول المنطقة إلى تنويع شراكاتها.
ومن منظور التاريخ السياسي، ينبغي التمييز بين الهدف المعلن، وآلية اتخاذ القرار، والنتيجة الفعلية. فقد تسعى قوة إلى احتواء خصم إقليمي، لكن المواجهة قد تؤدي إلى تصعيد أوسع أو إعادة تموضع لقوى أخرى أو اضطراب الممرات البحرية. ولا تصبح هذه النتيجة دليلًا على نجاح خطة سياسية بعينها إلا بعد تحديد ما استهدفته الخطة وإثبات الصلة بينها وبين غالبية الأحداث.
وهذا هو أحد الفروق الأساسية بين تحليل جيوسياسي قائم على الأدلة وبين سردية تفسر جميع التطورات بوصفها نتائج لخطة مركزية واحدة. فالتاريخ كثيرا ما يحدث نتائج غير مقصودة من تفاعل قرارات متعددة، حتى عندما تكون أهداف بعض الأطراف متقاربة.
السعودية والإمارات: شراكة استراتيجية أم تنافس على قيادة الإقليم؟
يضع التنافس بين الرياض وأبوظبي حدا هاما لفكرة وجود محور خليجي موحد. فقد أشار تقرير مكتبة مجلس العموم البريطاني الصادر في 28 مايو 2026 إلى تباعد الدولتين في ملفات اليمن والسودان وإسرائيل والنفط، رغم استمرار المصالح المشتركة بينهما في التجارة والأمن والعلاقات مع الولايات المتحدة. ويوفر تقرير البرلمان البريطاني عن العلاقات السعودية الإماراتية في 2026 خلفية مفيدة لفهم هذا التنافس.
فالتقارب في مواجهة إيران أو التعاون مع واشنطن لا يعني بالضرورة تطابق الأولويات، فلكل من السعودية والإمارات تصوره بشأن النفوذ الإقليمي، والموانئ، ومسارات التجارة، والشركاء المحليين، وموقعها في الاقتصاد العالمي. وقد تتعاون الدولتان في ملف وتتنافسان في آخر، وهو ما يجعل تحليل الشبكات السياسية أكثر تعقيدا من تصويرها كتكتل واحد يقوده مركز موحد.
ولهذا التنافس آثار تتجاوز العلاقات الثنائية؛ فقد يؤثر في طبيعة التحالفات الأمنية، وأولويات الاستثمار، وتوزيع النفوذ في الدول الهشة، والعلاقات مع القوى الدولية. كما قد يؤدي إلى نتائج لم يقصدها أي طرف منفرد، خاصة عندما تتداخل المنافسة الاقتصادية مع الحسابات العسكرية والممرات البحرية.
ويقتضي ذلك اختبار كل علاقة وقرار على حدة، بدل افتراض وحدة أهداف الأطراف لمجرد وجود روابط بينها. كما يقتضي الانتباه إلى أن الدول ليست وحدات ثابتة؛ فقد تتغير أولوياتها بمرور الزمن، وقد تصبح الشراكة التي تخدم غرضا ما محدد، مصدرا للتنافس في ساحة دبلوماسية أخرى.
نهاية الجزء الأول: من المال السياسي إلى الخريطة الاستراتيجية للشرق الأوسط
هنا نصل إلى خاتمة الجزء الأول من هذا المقال؛ حيث كشفت لنا قراءة ملخص كتاب "أمراء ولصوص" لماثيو كول وما تناولته بعض المواقع، أن فهم التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط لم يعد ممكنا بالاعتماد على التحالفات الرسمية والاتفاقات العسكرية وحدها؛ إذ باتت الاستثمارات السيادية، والعلاقات الشخصية، وشبكات المصالح الاقتصادية والسياسية عناصر تستحق الفحص عند تحليل كيفية تشكل النفوذ وتوزيعه بين القوى الإقليمية والدولية. لكن فهم هذه الظاهرة يتطلب التمييز بين الوقائع المالية الموثقة، والادعاءات التي لا تزال محل نزاع، وكذا النتائج السياسية التي تحتاج إلى أدلة فعلية لإثبات العلاقة السببية بينها.
ومن ثم، لا تكمن القضية الأساسية في افتراض وجود شبكة واحدة تتحكم في قرارات المنطقة، بل في فهم كيفية تفاعل المصالح المختلفة، ومتى تتحول العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية إلى أدوات نفوذ، وكيف تتغير نتائجها عندما تتعارض حسابات الدول أو تتبدل أولوياتها. فالسعودية والإمارات، على الرغم من تقاطع مصالحهما في عدد من الملفات، لا تتحركان دائما وفق أجندة واحدة، كما أن سياسات الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج لا يمكن أن تختزل في إرادة شخص واحد أو مجموعة محدودة من العلاقات الخاصة.
كما أن الخريطة الاستراتيجية للشرق الأوسط لا تتشكل في واشنطن والعواصم الخليجية وحدها؛ بل تظهر آثار التحولات السياسية والاقتصادية بصورة ملموسة عند الموانئ والممرات البحرية ونقاط الاختناق الاستراتيجية. هنا ينتقل السؤال من هوية الأطراف التي تملك النفوذ، إلى الجغرافيا التي يمكن أن يتحول فيها هذا النفوذ إلى قدرة على التأثير في حركة التجارة والطاقة والأمن الإقليمي.
وإذا كانت الاستثمارات والتحالفات وشبكات العلاقات تعيد توزيع النفوذ بين القوى، فإن البحر الأحمر وباب المندب يمثلان ساحة حاسمة لاختبار النتائج الفعلية لهذه التحولات. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر، لأن أمن قناة السويس لا ينفصل عن التطورات في جنوب البحر الأحمر، أو عن التنافس على الموانئ، أو عن مآلات الصراعات في اليمن والسودان والقرن الأفريقي.
هنا يبرز السؤال الذي يقود إلى الجزء الثاني من هذا المقال: هل تؤدي التحولات المتزامنة في الخليج واليمن والقرن الأفريقي والبحر الأحمر إلى تضييق استراتيجي تراكمي لهامش حركة مصر، أم أننا أمام مجموعة من المخاطر المتداخلة التي لا يمكن تفسيرها باعتبارها مشروعا موحدا يستهدف القاهرة؟
للإجابة عن هذا السؤال، نحتاج إلى الانتقال من تحليل المال السياسي وشبكات النفوذ إلى دراسة الجغرافيا الاستراتيجية نفسها: من يملك القدرة على التأثير في الموانئ والممرات البحرية؟ وكيف تتقاطع المنافسة السعودية الإماراتية مع التحولات في اليمن والسودان والقرن الأفريقي؟ وما حدود تأثير هذه التحولات في أمن باب المندب وقناة السويس ومصالح مصر الإقليمية؟
في الجزء التالى من هذا المقال، والذى سوف نحلل فيه "أين تقع مصر في الخريطة الاستراتيجية الجديدة؟"، سوف ننتقل من تحليل شبكة المصالح والعلاقات السياسية إلى الممرات البحرية ومراكز النفوذ على الأرض. والهدف ليس افتراض وجود حصار استراتيجي موحد حول مصر، بل مناقشة وتحليل ما إذا كانت التحركات المتزامنة للقوى الإقليمية والدولية تنتج، بصورة تراكمية، بيئة استراتيجية أكثر تعقيدا وتحديا أمام صانع القرار المصري.
بالتالى، لم يعد السؤال هو من يملك النفوذ في الشرق الأوسط؟ بل أصبح أين يمارَس هذا النفوذ، وكيف يتحول إلى أوراق ضغط استراتيجية، وما إذا كانت مصر تمتلك الأدوات اللازمة للحفاظ على حرية حركتها في إقليم تتغير توازناته بوتيرة متسارعة؟

