أزمة معرفة الواقع: هل تستطيع السلطة حماية صورتها على حساب معرفتها بالواقع الفعلى؟

 

إنفوجراف يشرح مسار المعلومات من الواقع الفعلي إلى مركز القرار السياسي، مع إظهار الانتقاء والرقابة الذاتية وتشوه التقارير، ومقابلها آليات التحقق والتصحيح. ©ar.kmtreport.com

                                  قد تتحول المعلومات، أثناء نقلها داخل المؤسسات، إلى سبب في شهرة القصة الرسمية.


لا تتحدد قدرة السلطة، أى النظام السياسى الحاكم لأى دولة؛ على الاستمرار والفاعلية السياسية للدولة بما تمتلكه تلك السلطة من أدوات للضبط والسيطرة، ولا بقدرتها على توحيد الخطاب العام أو تقديم صورة متماسكة عن أدائها، وإنما تتصل كذلك بطبيعة علاقتها بالواقع الذي تسعى إلى إدارته. فالسلطة المنوطة بإدارة الدولة؛ ليست مجرد جهاز إداري أو منظومة من مؤسسات الإكراه، بل هي، من منظور معرفي، نظام لإنتاج المعلومات وتصنيفها وتفسيرها وتحويلها إلى قرارات. وكلما ازدادت قدرة هذا النظام على استقبال المعلومات المتعارضة، واختبار التقديرات الرسمية، وتصحيح الأخطاء، ازدادت فرصته في الاستجابة للتحولات الاجتماعية والسياسية قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها.

من هنا، تتجاوز مسألة مصداقية السلطة حدود العلاقة التقليدية بين الإعلام والجمهور، لتثير سؤلا أكثر عمقا؛ إذ يتعلق بعلاقة السلطة بالحقيقة، وبكيفية تشكل المعرفة السياسية داخل المؤسسات وخارجها. فهل تنظر السلطة إلى المعلومات باعتبارها مدخلا لفهم الواقع وتطوير السياسات، أم تتعامل معها بوصفها موردا ينبغي ضبطه بما يتفق مع صورتها عن نفسها؟ وهل يؤدي التحكم في تداول المعلومات إلى زيادة قدرة السلطة على إدارة المجال العام للدولة، أم يمكن أن ينتهي، في ظروف معينة، إلى إضعاف قدرتها على معرفة ما يحدث بالفعل؟

لا تفترض هذه الأسئلة أن كل إعلام مستقل ينتج معرفة صحيحة، أو أن كل خطاب رسمي يفتقر إلى المصداقية. فوسائل الإعلام، شأنها شأن المؤسسات السياسية، قد تخضع للتحيز والمصالح الاقتصادية والاستقطاب الأيديولوجي، كما أن بعض المعلومات قد يتطلب اعتبارات مشروعة من السرية لحماية الأمن القومي أو الخصوصية أو المفاوضات الدبلوماسية. غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الاعتبارات من حدود معينة ومبررة إلى نمط واسع من التحكم في المعلومات، يضيق فرص النقد والتحقق، ويجعل توافق الرسائل مع التوقعات السياسية أهم من توافقها مع الوقائع الفعلية.

ينطلق مقالنا هذا من فرضية مفادها أن تقييد المجال العام لا يهدد فقط حق المجتمع في المعرفة، وإنما قد يضعف أيضا البنية المعرفية التي تعتمد عليها السلطة في فهم المجتمع وتقدير المخاطر واتخاذ القرار. ولا يتحقق هذا الأثر بالضرورة في كل حالة، ولا بصورة آلية، بل يتوقف على طبيعة المؤسسات، وقنوات تداول المعلومات، والحوافز التي تحكم سلوك المسؤولين، ومدى قدرة السلطة على تصحيح أخطائها.وكيف يمكنها الكشف عن آليات متقاربة لتشوه المعلومات، خاصة حين تتقدم متطلبات الولاء السياسي أو حماية الصورة الرسمية، على مقتضيات التحقق من الواقع الفعلى.

الحقيقة والسلطة في منظور فلسفة التاريخ

لا يقتصر دور السلطة على اتخاذ القرارات المتعلقة بالواقع، بل يمتد إلى التأثير في الطريقة التي يتم بها وصَف هذا الواقع، وفي تحديد الوقائع التي تحظى بالظهور، والأصوات التي يعترف بكونها مصادر للمعرفة، والتفسيرات التي تصبح مقبولة في المجال العام.

هذه الملاحظة تنقلتا من النظر إلى الإعلام باعتباره أداة لنقل الرسائل، إلى النظر إليه بوصفه جزءًا من البنية التي تتشكل داخلها المعرفة السياسية. فمن خلال المؤسسات الرسمية والقوانين والمناهج التعليمية والأجهزة الإدارية والمنابر الإعلامية، تتكون روايات عن المجتمع والدولة، ويتم تحديد المشكلات التي ينبغي الاعتراف بها، والوقائع التي تستدعي تفسيرا، والمسؤوليات التي يمكن إسنادها إلى أطراف بعينها.

في هذا السياق، يقدم لنا ميشيل فوكو (Foucault, 1980) تصورا للعلاقة بين المعرفة والسلطة لا يفصل إنتاج المعرفة عن المؤسسات والممارسات التي تمنحها سلطة التعريف والتصنيف. ولا يعني ذلك، في القراءة التي نعتمدها أن الوقائع ليست موجودة خارج الخطاب، بل يعني أن الاعتراف بها وتفسيرها وتداولها يجري داخل علاقات اجتماعية ومؤسسية تحدد ما يمكن قوله، ومن يستطيع قوله، وأي الأدلة تحظى بالقبول.

تكتسب هذه الفكرة أهميتها التاريخية حين ندرك أن السلطة قد لا تحتاج إلى إصدار أوامر مباشرة بتزييف المعلومات كي ينشأ لديها تصور مشوه عن الواقع الفعلى. فقد يكفي أن تجعل الترقي الوظيفي مرتبطا بإرضاء الرؤساء، أو أن تعاقب من ينقل الأخبار غير المرغوبة، أو أن تمنح المؤسسات التي تؤكد الرواية الرسمية موارد ونفوذا أكبر من تلك التي تختبرها عبر آليات النقد. في نثل تلك الظروف، يمكن أن تتحول عملية إنتاج المعلومات تدريجيا إلى عملية انتقاء؛ بحيث لا تصل إلى مراكز القرار إلا البيانات والتفسيرات التي تتوافق مع التوقعات السائدة.

من ناحية أخرى، تبرز أهمية التمييز الذي أقامته حنا آرنت (Arendt, 1968) بين الحقيقة الواقعية والرأي السياسي. فالآراء قابلة للاختلاف، والسياسات قابلة للنقد والتعديل. غير أن المجال السياسي يفقد أحد شروط إمكانية النقاش حين تصبح الوقائع الأساسية نفسها عرضة للمحو أو التحريف المنهجي. ومن ثم، لا يمكن للمجتمع أن يختلف اختلافا منتجا حول تفسير حدث ما إذا تعذر عليه الاتفاق، أو حتى التحقق، من وقوعه أصلا. 

يتصل بذلك أيضا بتصور يورجن هابرماس (Habermas, 1989) للمجال العام بوصفه فضاء تتوسط من خلاله عملية النقاش بين المجتمع والسلطة، وتتشكل فيه الآراء بشأن المسائل المشتركة. وبالتالى لا تستمد قيمة هذا المجال من وجود أصوات متعددة فحسب، بل تكمن القيمة الفعلية من إمكان تداول الحجج والأدلة، ومراجعة الادعاءات، ومساءلة القرارات في ضوء أسباب يمكن مناقشتها علنا وبشفافية كاملة.

وعليه، لا ينبغي فهم المصداقية السياسية باعتبارها مجرد قدرة على إقناع الجمهور برواية محددة، وإنما باعتبارها علاقة بين الخطاب السياسى والوقائع الفعلية من ناحية، وبين المؤسسات التي تنتج المعلومات والآليات التي تسمح بنقدها واختبارها وتصحيحها من ناحية أخرى. فقد تنجح سلطة ما في فرض خطاب موحد فترة من الزمن، غير أن ذلك لا يعنى بالضرورة أنها نجحت في فهم المجتمع نفسه أو إنها اكتساب ثقة مستدامة لدى ها المجتمع.

هنا تظهر إحدى المفارقات التي تكشفها لنا القراءة التاريخية؛ إذ قد تتمكن السلطة من زيادة سيطرتها على المعلومات المتداولة، لكنها تفقد، في الوقت نفسه، جزءا من قدرتها على الحصول على معلومات موثوقة عن الواقع الفعلى الذي تحاول السيطرة عليه.

من ضبط المجال العام إلى اختلال المعرفة السياسية

ينبغي هنا أولا التمييز بين وجود قيود محددة على تداول بعض المعلومات، تبررها ضرورة قانونية أو أمنية واضحة، وبين تحول تقييد الإعلام والنقد التحليلى ليتحول إلى نمط مؤسسي يحمي الرواية الرسمية من الاختبار. فالمشكلة لا تتمثل في أن سلطة الدولة تمتلك سياسة إعلامية أو أنها تدافع عن مواقفها، وإنما في أن يصبح الدفاع عن تلك المواقف هو المعيار الأساسى، من كونه يتمتع بدقة المعلومات حقيقية. وعندما يحدث ذلك، تتغير وظيفة الاتصال السياسي؛ فبدلا من أن يكون وسيلة لنقل المشكلات إلى مؤسسات القرار، يصبح وسيلة لعرض صورة عن المجتمع تتناسب مع توقعات السلطة، هنا تحديدا لحظة الخلل. 

ويمكن تتبع هذا التحول من خلال ثلاث آليات مترابطة: 

تتمثل الآلية الأولى في الانتقاء غير المتكافئ للمعلومات. فعندما تمنح الأخبار التي تؤكد نجاح السياسات اهتماما أكبر، بينما يتم تهميش المعلومات التي تكشف عن أخطاء التنفيذ أو التكلفة الاجتماعية أو اعتراضات الفئات المتضررة، لا يتلقى الجمهور صورة متوازنة عن الواقع الفعلى. والأهم أن هذا الانتقاء قد يمتد إلى المؤسسات ذاتها، خاصة عندما تعتمد مراكز اتخاذ القرار على التقارير التي تنتجها أجهزة تخشى الاعتراف بالإخفاق أو الفشل.

 أما الآلية الثانية فتتمثل في الرقابة الذاتية التي تنتجها الحوافز المؤسسية. فقد يمتنع الصحفي أو الموظف أو الباحث عن نشر معلومات موثقة، لا لغياب الأدلة، بل لتوقعه أن نشرها سيؤدي إلى خسارة مهنية أو عقوبة إدارية أو اتهام سياسي. ومع تكرار هذه العملية، تصبح المعلومات غير الملائمة - من وجهة نظر السلطة - أقل ظهورا، حتى في غياب أوامر مباشرة بحجب كل معلومة على حدة. 

هنا ننتقل إلى الآلية الثالثة النتمثلة في تشوه المعلومات أثناء انتقالها داخل التسلسل البيروقراطي. إذ قد يغير المسؤولون مضمون التقارير التي يجب عليهم أن يرفعونها إلى المستويات الأعلى، سواء بسبب الخوف من العقاب أو الرغبة في إظهار نجاح الخطط أو التنافس على رضا القيادة. وفي مثل هذه الحالات، لا تكمن المشكلة فى أن المجتمع قد أصبح محروما من المعرفة النقدية، وإنما تكمن فى أن مؤسسة الحاكم نفسها قد اصبحت تتلقى معلومات غير دقيقة. 

وفي دراسته عن إخفاق مشروعات التخطيط المركزي، يقدم لنا جيمس سكوت (Scott, 1998) تفسيرا مهما لهذه المشكلة. فالدولة التي تعتمد على تصنيفات مركزية مبسطة قد تتمكن من إنتاج صورة إدارية منظمة عن المجتمع، لكنها قد تغفل المعارف المحلية والتفاصيل المتغيرة التي لا تستطيع جداولها ومؤشراتها استيعابها. وكلما اقترنت هذه النزعة من احتكار سلطة القرار وإضعاف قدرة المجتمع على الاعتراض؛ زادت احتمالات أن تتحول الصورة الإدارية إلى بديل متصور عن الواقع، بدلا من أن تكون أداة لفهمه آلياته الفعلية.

غير أن النقد الخارجي غير قادر وحده على تصحيح جميع هذه الاختلالات، كما أن تعدد مصادر المعلومات لا يضمن تلقائيا الوصول إلى الحقيقة. فقد يكون المجتمع الإعلامي نفسه مستقطبا، وقد تنتشر فيه الشائعات أو الأخبار المضللة. لكن الفارق الأساسي يكمن في وجود مؤسسات وآليات تتيح التحقق المتبادل وتصحيح الأخطاء ومحاسبة من يتعمد التضليل.

ومن ثم، فإن احتكار المجال العام لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار فوري في قدرة سلطة الدولة، لكنه قد يهيئ ظروفا تتراكم فيها الأخطاء دون أن تجد من يكشفها أو يصححها مبكرًا. وعندما تصبح هذه الأخطاء جزءًا من عملية صنع القرار، تتحول المشكلة من خلل إعلامي إلى خلل في الحكم والإدارة.

كيف تكشف الحالات التاريخية عواقب تشوه المعلومات؟

لا ننعامل فلسفة التاريخ مع وقائع الماضي باعتبارها قوانين ثابتة تتكرر آليا، وهذا مبدأ هام فى علم التاريخ. ذلك أن اختلاف الأزمنة والمؤسسات والظروف الاقتصادية والسياسية يمنع مساواة حالة بأخرى لمجرد وجود تشابه سطحي بينهما. غير أن المقارنة التاريخية تتيح اختبار آليات محددة، وفهم الظروف التي تجعل بعض الأنماط أكثر احتمالا من غيرها.

هكذا يمكننا عرض حالتان من القرن العشرين كمدخل واضح لهذه المقارنة: الأولى هى المجاعة الصينية خلال القفزة الكبرى إلى الأمام، والثانية كارثة تشيرنوبل النووية في الاتحاد السوفيتي.

أولا- المجاعة الصينية: حين تتحول المعلومات إلى دليل على الولاء السياسي

خلال القفزة الكبرى إلى الأمام في الصين، بين عامي 1958 و1961، لم تكن المشكلة مقتصرة على القرارات الاقتصادية الخاطئة أو ضعف الحوافز الزراعية، بل شملت كذلك اختلال انتقال المعلومات بين المستويات المحلية والمركزية.

الدعاية السياسية خلال القفزة الكبرى إلى الأمام
جدارية دعائية مرتبطة بحملة القفزة الكبرى إلى الأمام بين عامي 1958 و1961. التقطت الصورة التقطها المصور "فاهوو" في شنغهاي عام 2019، وهي توثق الجدارية لا أحداث المجاعة مباشرة.
 Fayhoo — Wikimedia Commons


فقد حللت دراستان آليات تضخيم أرقام الإنتاج الزراعي خلال تلك الفترة. وأظهرت دراسة هونجوي شو وجنج تيان (Xu and Tian, 2021) المنشورة في American Journal of Sociology أن المبالغة في تقدير المحاصيل تحولت إلى سلوك سياسي ينتشر بين المسؤولين المحليين، ويسمح لهم بإظهار التوافق مع أهداف الحملة المركزية وإثبات ولائهم للقيادة. وبدلًا من أن تنقل الأرقام صورة دقيقة عن الإنتاج الزراعي، أصبحت تؤدي وظيفة سياسية تتعلق بإظهار النجاح .

كما كانت دراسة أخرى أعدها تسي يينج فان ووي شيونج ولي آن تشو (Fan, Xiong, and Zhou, 2016) قد توصلت إلى أن تضخيم تقديرات الإنتاج أسهم في اتساع الفجوة المعلوماتية بين المركز والأقاليم، وأن السلطة المركزية تأخرت في إدراك النطاق الواسع للمجاعة وفي تنظيم الإغاثة المنهجية، وفقًا لتحليل المؤلفين. 

تكشف هذه الحالة عن آلية بالغة الأهمية،  فعندما يكون إرضاء القيادة أكثر أمانا من تقديم معلومات دقيقة، فإن المسؤولين قد يتنافسون في إنتاج الأرقام التي يتوقعها رؤساؤهم، حتى عندما تتعارض مع أحوال السكان الفعلية. هنا، لم تعد المعلومات وسيلة لتقييم السياسة وتصحيح الأخطاء، بل أصبحت أداة لتأكيد نجاحها المفترض.

ومن منظور فلسفة التاريخ، لا تقتصر دلالة هذه التجربة على نتائج سياسة زراعية بعينها. فالأهم هو أن سلطة الدولة قد تمتلك جهازا إداريا واسعا، وتستقبل كمًا هائلا من التقارير، ومع ذلك تعجز عن إدراك الواقع الحقيقى لأن النظام المؤسسي يشجع على إنتاج معلومات ترضي السلطة بدلا من التحلى بالأمانة والدقة للعمل على صحيح أخطاء النظام.

ومع ذلك، لا يصح رد المجاعة إلى الرقابة الإعلامية وحدها؛ إذ ساهمت فيها عوامل متعددة، منها السياسات الزراعية والإدارية، والحوافز الاقتصادية، وطبيعة التعبئة السياسية. غير أن تشوه المعلومات يوضح بجلاء كيف يمكن للقرارات الخاطئة أن تستمر، وكيف يمكن لتقييد النقد التحليلى، مع الدفع بالحوافز القائمة على الولاء؛ أن يزيدا صعوبة اكتشاف الخطأ وتصحيحه.

ثانيا- تشيرنوبل: السرية الرسمية في مواجهة الوقائع القابلة للتحقق

فى حالتنا الثانية، تقدم كارثة تشيرنوبل النووية في أبريل 1986 مثالا آخر، وإن اختلفت طبيعة الحدث وآليات الإخفاق.

فقد وقعت الكارثة في بيئة مؤسسية ارتبطت فيها التكنولوجيا النووية بسرية الدولة، ولم يُعلن عنها في الاتحاد السوفيتي إلا بعد مرور أيام على وقوعها. ففي 28 أبريل، ظهرت مؤشرات الإشعاع في السويد، ما دفع إلى اكتشاف الخطر خارج الحدود السوفيتية نفسها قبل أن تقوم السلطات السوفيتية بإعلانها العام المحدود عن الحادث. وتوضح دراسة تاريخية لسونيا شميد (Schmid, 2011)عن تنظيم السلامة النووية في تشيرنوبل، كيف هيمنت الاعتبارات السرية والمنافسة السياسية على التعامل مع المعلومات المتعلقة بالمخاطر النووية، حتى مع الوعود الرسمية بالانفتاح والإصلاح آنذاك.

صورة أرشيفية للوحدة الرابعة في محطة تشيرنوبل النووية بعد الحادث عام 1986.

صورة أرشيفية توثق حالة الوحدة الرابعة في محطة تشيرنوبل عقب كارثة أبريل 1986.


كما درست أولجا بيرتلسن  (Bertelsen, 2022) استنادا إلى وثائق أرشيفية، كيف ساهمت حملات السرية والتضليل التي أحاطت بالكارثة، وطرائق استخدامها لصرف الانتباه الدولي عن مشكلات الإدارة والإخفاقات المؤسسية في القطاع النووي السوفيتي.

هكذا، تكشف لنا هذه الحالة عن اختلاف جوهري بين التحكم في المعلومات والتحكم في الوقائع نفسها. فقد تستطيع سلطة الدولة تأخير الإعلان عن حادث ما، أو تقييد التغطية الإعلامية له، لكنها لا تضمن قدرتها على منع ظهور آثاره خارج نطاق سيطرتها. وعندما تظهر الأدلة من مصادر مستقلة، تصبح المقارنة بين ما أعلنته السلطات وما أمكن التحقق منه جزءا من تقييم أدائها ومصداقية مؤسساتها.

ولا تكمن الدلالة التاريخية هنا في أن كل سرية حكومية تؤدي إلى كارثة، أو أن كارثة تشيرنوبل وحدها تفسر تراجع الاتحاد السوفيتي. وإنما تكمن في أن حماية الصورة الرسمية قد تتعارض مع ضرورة إبلاغ المجتمع بالمخاطر في الوقت المناسب، وقد تؤدي إلى زيادة تكاليف الأزمة وتعقيد الاستجابة لها، ومن ثم تعثر الحل.

هكذا تسمح المقارنة بين مجاعة الصين وكارثة تشيرنوبل باستخلاص ملاحظة أوسع. ففي الحالة الأولى، تشوهت المعلومات بفعل الحوافز السياسية والبيروقراطية، وفي الثانية تداخلت السرية الرسمية مع إخفاقات إدارة الخطر، أى الأزمة. وعلى الرغم من اختلاف السياقين، فإن الحالتين توضحان كيف يمكن أن تصبح حماية الرواية السياسية عائقًا أمام وصول المعلومات الضرورية إلى من يحتاجون إليها لاتخاذ القرار أو حماية المجتمع.

هذا الإنفوجراف يلخص المقارنة التي يقدمها المقال بالفعل، ولا يحتاج إلى إدخال أرقام جديدة أو تعميمات تاريخية غير مثبتة.
                                               إنفوجراف مقارن لحالتى المجاعة الكبرى فى الصين وكارثة تشيرنوبل


خاتما: المعرفة شرط للتعلم السياسي

تكشف المقارنة بين المجاعة الصينية خلال القفزة الكبرى إلى الأمام وكارثة تشيرنوبل عن أن العلاقة بين المعرفة والسلطة لا تُختزل في مسألة حرية الإعلام أو في التمييز بين الخطاب الرسمي والخطاب المعارض. فالمشكلة الأعمق تتعلق بالشروط التي تسمح بإنتاج معلومات دقيقة، وانتقالها إلى المؤسسات المعنية، والاعتراف بقيمتها، وتحويلها إلى قرارات قادرة على الاستجابة للواقع. ففي الحالة الصينية، أسهمت الحوافز السياسية والبيروقراطية في تشويه بعض المعلومات المتعلقة بالإنتاج الزراعي، بينما أظهرت تشيرنوبل كيف يمكن للسرية الرسمية أن تؤخر إبلاغ المجتمع بالمخاطر وتعرقل إمكان التحقق المستقل من الوقائع. وعلى الرغم من اختلاف السياقين، فإنهما يكشفان عن خطر مشترك: أن تصبح حماية الرواية السياسية عائقًا أمام اكتشاف الأخطاء وتصحيحها.

ومع ذلك، لا تسمح هاتان الحالتان فقط باستخلاص قانون تاريخي يربط بين نمط اقتصادي أو أيديولوجي بعينه وبين تشويه المعلومات. وكما أسلفا؛ فالتاريخ لا يقدم نتائج متطابقة تتكرر آليا، بل يتيح فحص الآليات التي تربط بين المؤسسات والحوافز والقرارات في سياقات مختلفة. كما أن احتكار المعلومات لا يؤدي بالضرورة إلى جهل السلطة بالواقع؛ فقد تمتلك المؤسسات بيانات دقيقة ثم تعجز عن الاستجابة لها، أو تدرك خطورة المشكلة. ذلك أن احتكار المعلومات وقمع التدقيق والتحليل، يؤخر الاعتراف بالمشكلة. كما قد تظهر المعلومات المتاحة تفاوتا بين التقديرات الرسمية والأدلة المستقلة. ومن ثم، فإن تفسير كل حالة يقتضي التمييز بين نقص المعرفة، وحجبها، وتشويهها، ورفض الاعتراف بها، والإخفاق في تحويلها إلى فعل سياسى واقعى.

تقود هذه الملاحظات إلى تساؤل أوسع، ألا وهو: هل ترتبط أزمة المعرفة بنوع النظام السياسي والاقتصادي، أم أن فهمها يتطلب النظر إلى بنية المؤسسات التي تنتج المعلومات وتداولها، وإلى الحوافز التي تحكم العلاقة بين المسؤولين ومصادر المعرفة، وإلى مدى استقلال الجهات القادرة على اختبار الرواية الرسمية؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من توسيع المقارنة خارج الحالات التي ارتبطت بالأنظمة الاشتراكية، وفحص تجارب تاريخية تختلف في طبيعتها السياسية والاقتصادية، وفي علاقتها بالإعلام والمجتمع ومصادر المعلومات المستقلة.

من هنا، يمكننا الانتقال في مراحل تالية إلى حالات أخرى من التاريخ السياسي، تشمل مجاعات وأزمات إنسانية في دولة مثل إثيوبيا، والرقابة على الصحافة في دولة مثل السودان (قبل التقسيم*، وإدارة المعلومات أثناء النزاعات المسلحة، فضلًا عن أمثلة من أنظمة سياسية أخرى. ولن يكون الهدف جمع وقائع متشابهة في ظاهرها، بل اختبار ما إذا كانت آليات محددة، مثل حجب المعلومات أو تشويهها أو إقصاء مصادرها أو تأخير الاستجابة لها، تتكرر عبر سياقات مختلفة، وما الشروط التي تجعلها أكثر احتمالا أو أشد أثرا.

عليه، فإن السؤال المركزي لن يكون متعلق بما إذا كانت الدولة قادرة على التحكم في الرسائل التي تصل إلى الجمهور فحسب، وإنما بقدرتها على إنشاء مؤسسات تسمح لها باكتشاف ما لا يتوافق مع توقعاتها ومراجعة قراراتها في ضوء الأدلة. فالمصداقية المستدامة ليست نتاجا لوحدة الخطاب أو غياب النقد، بل تتصل بمدى قابلية الرواية العامة للتحقق، وبقدرة السلطة على التعلم من التجربة، وبوجود آليات تتيح تصحيح الأخطاء ومساءلة المسؤولين عن القرارات.

إن التحدي الحقيقي أمام السلطة ليس أن تمنع كل رواية مخالفة من الظهور، بل أن تميز بين المعلومات الصحيحة والخاطئة، وأن تسمح للأدلة بتصحيح تقديراتها حتى عندما تكون نتائج هذا التصحيح غير ملائمة سياسيا. ومن هذا المنطلق، تصبح العلاقة بين المعرفة والسلطة مدخلة لفهم أحد الأسئلة الكبرى في فلسفة التاريخ: لماذا تستطيع بعض الأنظمة السياسية التعلم من أخطائها، بينما تتحول الأخطاء في أنظمة ومؤسسات أخرى إلى أنماط متكررة يصعب الاعتراف بها أو تجاوزها؟


Dr. Dahlia SaadEl-Din

GeoKmt | Strategic Analysis & Historical Geopolitics of the Nile Basin. Dahlia (Dalia) Saad El-Din, PhD in Philosophy of History – African Studies, Modern and Contemporary History, Cairo University. A researcher specializing in the historical geopolitics of the Nile Basin and the Horn of Africa, with research interests in political authority and nationalities in Ethiopia, resource conflicts, regional security, military logistics, and crisis management.

إرسال تعليق

أحدث أقدم