1/2: هل تتحكم إثيوبيا فعلًا فى النيل؟

من الجغرافيا إلى القوة المائية: كيف غيّر سد النهضة توزيع القدرة على النيل الأزرق؟

سد النهضة وخزان المياه على النيل الأزرق فى إثيوبيا
صورة فضائية لسد النهضة والخزان على النيل الأزرق فى شمال غرب إثيوبيا - وكالة ناسا


فى نهاية مقالنا السابق وصلنا إلى سؤال يبدو بسيطًا :هل تتحكم إثيوبيا فعلا فى النيل؟ لكن الإجابة الجادة عن هذا السؤال تتطلب أولًا أن نحدد المقصود بكلمة "التحكم". وسوف أستخدمها فى هذا المقال بمعنى واحد هو التحكم المائى -  Water Control، أى قدرة الدولة، من خلال موقعها الجغرافى ومنشآتها المائية، على تخزين جزء من تدفقات النهر وتنظيم توقيت تصريفها والتأثير فى نمط وصول المياه إلى دول المصب، بما يمنحها قدرة أكبر على إدارة المورد المائى والتأثير فى خيارات الأطراف الأخرى، دون أن يعني ذلك امتلاك النهر أو السيطرة المطلقة على جميع مياهه. وعلى هذا الأساس، فإن الحجة الرئيسية فى هذا المقال هى أن سد النهضة لم يمنح إثيوبيا سيطرة كاملة على النيل، لكنه منحها قدرة جديدة وخاصة على تنظيم جزء رئيسى ومهم من تدفقات النيل الأزرق/ الآباى، وهو ما غيّر توزيع القوة داخل النظام المائى لحوض النيل وأعاد صياغة العلاقة بين دول المنبع والمصب.

تلك هى النقطة الهامة؛ لأن النقاش العام غالبا ما يتحرك بين موقفين متناقضين. الموقف الأول يقول إن إثيوبيا أصبحت تتحكم فى النيل، وكأنها باتت تملك مفتاح المياه المصرية. والموقف الثاني يرفض الفكرة بالكامل بحجة أن النيل أكبر من إثيوبيا، وأن الدولة لا تستطيع التحكم فى كل مياهه. المشكلة أن كلا الموقفين يتعامل مع "التحكم" بوصفه إما سيطرة كلية أو عدم سيطرة على الإطلاق، بينما العلاقات المائية بين الدول تعمل عادة فى منطقة أكثر تعقيدا، حيث يمكن لدولة أن تكتسب قدرة كبيرة على تنظيم جزء من المورد من دون أن تصبح قادرة على التحكم فى النظام ككل. ومن هنا، فإن السؤال الفعلى ليس ما إذا كانت إثيوبيا قد أصبحت صاحبة السيطرة على النيل، وإنما ما الذى أضافه سد النهضة إلى قدرتها على إدارة جزء من تدفقات النيل الأزرق، وكيف انعكس ذلك على توزيع القوة بين دول الحوض؟

أهمية إثيوبيا فى النيل سبقت سد النهضة

إثيوبيا لم تصبح دولة مهمة فى قضية النيل بسبب السد. فموقعها فى أعالى النيل الأزرق/ الآباى منحها منذ البداية أهمية مائية لا يمكن تجاهلها. وتشير الدراسات الهيدرولوجية المتعلقة بحوض النيل إلى أن الهضبة الإثيوبية تمثل أحد أهم مصادر الجريان المائى الذى يصل إلى السودان ومصر، وأن نهر الآباى/ النيل الأزرق يؤدي دورا رئيسيا فى التدفقات التي تصل إلى أسوان، مع تفاوت كبير بحسب الموسم والظروف المناخية والهيدرولوجية. ولذلك كانت إثيوبيا تمتلك، بحكم الجغرافيا، قدرة على التأثير فى مورد تعتمد عليه دول المصب قبل أن يكون لديها هذا الحجم من البنية التحتية المائية.

خريطة حوض النيل توضح النيل الأزرق وإثيوبيا والسودان ومصر والنيل الأبيض
خريطة حوض النيل توضح موقع النيل الأزرق في إثيوبيا ومساره عبر السودان حتى اتصاله بالنيل الأبيض.
 Source, Navigating the complexities of coordinated conservation along the river Nile, 2019

غير أن هذه القدرة الطبيعية تختلف عن القدرة التي تنتجها المنشآت. فوجود دولة فى المنبع يمنحها موقعا هاما، لكن السدود والخزانات تحول هذا الموقع إلى أداة أكثر مباشرة لتنظيم المياه. وهذا هو التحول الذى أحدثه سد النهضة. فإثيوبيا انتقلت من امتلاك ميزة جغرافية مرتبطة بكونها دولة منبع إلى امتلاك قدرة هندسية كبيرة تسمح لها بتخزين المياه وإدارة توقيت تصريفها. وهذا التحول هو جوهر المسألة كلها.

ما الذى أضافه سد النهضة؟

تبلغ السعة التخزينية لخزان سد النهضة نحو 74 مليار متر مكعب، وهى سعة ضخمة بالنسبة إلى النظام المائي فى النيل الأزرق/ الآباى. وتقدم إثيوبيا المشروع رسميا بوصفه مشروع رئيسى لتوليد الكهرباء والتنمية الاقتصادية، وقد اكتمل افتتاحه رسميا فى سبتمبر 2025.

منظر جوي لسد النهضة الإثيوبي على النيل الأزرق
منظر جوي لسد النهضة على النيل الأزرق في إثيوبيا، أغسطس 2024.

ومع ذلك فإن القيمة الاستراتيجية لهذه المنشأة لا تتحدد بحجم الخزان وحده. ما يهم هو أن المياه التى تمر عبر موقع السد لم تعد تتحرك فقط وفق الإيقاع الطبيعى للجريان، بل أصبح جزء مهم منها يمر من خلال منشأة تستطيع إثيوبيا من خلالها تخزين المياه ثم إطلاقها وفق نظام تشغيل معين. وبذلك أصبحت لدى إثيوبيا قدرة جديدة على تنظيم توقيت تدفقات نهر الآباى/ النيل الأزرق، وهو أمر يختلف جوهريا عن مجرد وجود المياه فى إقليمها.

هنا تحديدا يظهر معنى التحكم المائي الذى نتحدث عنه. فالتحكم لا يعنى أن إثيوبيا تستطيع إيقاف النيل، ولا يعني أنها تستطيع منع المياه عن مصر بصورة مطلقة، وإنما يعني أنها أصبحت قادرة على اتخاذ قرارات مادية تتعلق بكمية المياه التي تخزن وتوقيت تصريفها، وأن هذه القرارات يمكن أن تؤثر فى الدول الواقعة أسفل المجرى. وهذه القدرة أصبحت عنصرا ثابتا فى البيئة الاستراتيجية للنيل، ولم تعد مجرد احتمال مرتبط بمستقبل السد.

لماذا يمثل التوقيت أهمية أكبر من مجرد التخزين؟

مقارنة فضائية لتطور خزان سد النهضة على النيل الأزرق
 صورة بالأقمار الصناعية توضح تطور خزان سد النهضة على النيل الأزرق فى إحدى مراحل الملء


الاختلاف الأساسى الذى أحدثه السد لا يتعلق فقط بوجود مخزون إضافى من المياه، وإنما بقدرة الدولة على التأثير فى توقيت حركة هذه المياه. فالنهر ليس مجرد كمية سنوية ثابتة، وإنما نظام موسمي تتغير فيه التدفقات من شهر إلى آخر ومن سنة إلى أخرى. ولذلك يمكن لطريقة التخزين والتصريف أن تؤثر فى كيفىة وصول المياه إلى السدود الواقعة فى السودان ومصر، حتى مع عدم تغير الحجم السنوي للمياه بالقدر نفسه.

وهذه النقطة تصبح أكثر أهمية أثناء فترات الجفاف الطويلة. ففى السنوات التي تكون فيها المياه وفيرة، توجد مساحة أكبر لاستيعاب مراحل الاختلاف فى التشغيل. أما عندما تتراجع التدفقات، فإن كل قرار بشأن الاحتفاظ بالمياه أو إطلاقها يصبح أكثر أهمية. وقد أوضحت دراسة منشورة فى   Communications Earth & Environment عام 2024 أن نتائج تشغيل سد النهضة تعتمد بصورة كبيرة على الظروف الهيدرولوجية، وأن العلاقة بين تشغيل سد النهضة والسد العالي تصبح أكثر حساسية خلال فترات الجفاف الممتد. وتبين الدراسة أن سياسات التشغيل المختلفة يمكن أن تنتج نتائج مختلفة بالنسبة إلى إثيوبيا ودول المصب، وهو ما يؤكد أن القضية الأساسية لا تتعلق بوجود السد فقط، وإنما .بطريقة تشغيله فى ظروف مائية متباينة

وهذا يعني أن القيمة الاستراتيجية للسد تتجسد بصورة خاصة عندما تصبح المياه محدودة، لأن التحكم فى توقيت التخزين والتصريف يكتسب عندها أهمية أكبر من مجرد امتلاك منشأة ضخمة.

هل هذا يعني السيطرة على النيل؟

رغم أهمية هذه القدرة، لا يمكن الاستنتاج منها أن إثيوبيا أصبحت تتحكم فى النيل كله. فالنظام المائي للنيل أوسع بكثير من النيل الأزرق/ الآباى ومن الأراضي الإثيوبية. هناك أيضا النيل الأبيض، وبحيرات ومنابع ومناطق مستنقعات وفواقد تبخر وجريان سطحى وتغيرات مناخية، كما توجد منشآت مائية متعددة فى السودان ومصر. وتوضح الدراسات الهيدرولوجية أن مصادر المياه داخل الحوض شديدة التنوع، وأن الجزء الذى تستطيع دولة واحدة التأثير فيه لا يساوي النظام النهري كله.

دول-حوض-النيل
 خريطة توضحية لحوض النيل
   

لذا فإن القول إن إثيوبيا "تتحكم فى النيل" إذا كان المقصود به السيطرة المطلقة هو توصيف غير دقيق. كما أن القول بإنها لا تستطيع التحكم المائي فى جزء مهم من النهر هو غير صحيح كذلك. فامتلاك القدرة على تخزين وتنظيم جزء رئيسي من تدفقات النيل الأزرق/ الآباى يمثل تحولا فعليا في بنية القوة، حتى لو ظلت هذه القدرة محدودة جغرافيا وهيدرولوجيا.

وبعبارة أخرى، فإن سد النهضة لم ينقل ملكية النيل كليا إلى إثيوبيا، لكنه نقل إليها جزء كبير من القدرة على تنظيم حركة مائه. وهذا هو المعنى الذى يجب أن يظل حاضرا كلما استخدمنا كلمة "التحكم" فى هذه القضية.

ختاما: من التحكم المائي إلى القوة المائية

إذن، لا يمكن اختزال أثر سد النهضة فى القول إن إثيوبيا أصبحت "تتحكم فى النيل"، كما لا يمكن إنكار أن السد أحدث تغييرا حقيقيا فى موقعها داخل النظام المائى للنهر. فإثيوبيا كانت تمتلك أهمية مائية بحكم موقعها على الهضبة ومجريات النيل الأزرق/ الآباى، لكن سد النهضة أضاف إلى هذه الأفضلية الجغرافية قدرة هندسية على التخزين وتنظيم توقيت التصريف، وجعل قرارات التشغيل الإثيوبية أكثر ارتباطًا بما يحدث فى دول المصب. وبذلك انتقلت العلاقة من مجرد وجود دولة فى المنبع تملك موردًا مائيًا مهمًا إلى وجود دولة تمتلك أداة يمكنها من خلالها التأثير فى حركة هذا المورد وتوقيتها.

وهنا تكمن النقطة الأكثر أهمية: فالقوة لا تبدأ عندما تستطيع الدولة السيطرة على المورد بالكامل، وإنما عندما تصبح قدرتها على تنظيم جزء منه قادرة على إنتاج آثار خارج حدودها. ولذلك فإن السؤال لم يعد هو: هل تستطيع إثيوبيا تخزين المياه وتصريفها؟ وإنما أصبح: ماذا يحدث عندما تؤثر قرارات التخزين والتصريف فى أمن المياه، وفي قدرة دول المصب على التخطيط والتشغيل وإدارة سنوات الجفاف؟

هذا هو الحد الفاصل بين التحكم المائى بوصفه قدرة فنية ومادية على تنظيم المياه، وبين القوة المائية بوصفها قدرة سياسية واستراتيجية تنشأ عندما يصبح هذا التنظيم ذا أثر على الآخرين. ومن هنا، فإن دراسة سد النهضة لا تتوقف عند حجم الخزان أو كمية المياه المخزنة، بل تنتقل إلى مستوى آخر يتعلق بكيفية ترجمة هذه القدرة المادية إلى نفوذ داخل النظام المائى الإقليمى، وهو ما سوف نناقشه فى الجزء الثانى من هذا المقال.

بعض المراجع المستخدمة:

  • Awulachew, Seleshi Bekele, et al. Hydrological Water Availability, Trends and Allocation in the Blue Nile Basin. Colombo: International Water Management Institute, 2008.
  • Awulachew, Seleshi Bekele, et al. Improved Water and Land Management in the Ethiopian Highlands and Its Impact on Downstream Stakeholders Dependent on the Blue Nile. Colombo: CGIAR Challenge Program on Water and Food, 2010.
  • Food and Agriculture Organization of the United Nations. Source Book for the Inland Fishery Resources of Africa, Vol. 3. Rome: FAO.
  • Heggy, Essam, Abotalib Z. Abotalib, Jongeun You, Emmanuel Hanert, and Mohamed Ramah. “Grand Ethiopian Renaissance Dam Can Generate Sustainable Hydropower While Minimizing Downstream Water Deficit During Prolonged Droughts.” Communications Earth & Environment 5 (2024): 757.
  • Nile Basin Initiative. Cooperative Framework Agreement. Nairobi: Nile Basin Initiative. الوثائق الرسمية الخاصة بالإطار التعاوني لدول حوض النيل ودخوله حيز النفاذ في أكتوبر 2024.


Dahlia SaadEl-Din

GeoKmt | Strategic Analysis & Historical Geopolitics of the Nile Basin. Dahlia (Dalia) Saad El-Din, PhD in Philosophy of History – African Studies, Modern and Contemporary History, Cairo University. A researcher specializing in the historical geopolitics of the Nile Basin and the Horn of Africa, with research interests in political authority and nationalities in Ethiopia, resource conflicts, regional security, military logistics, and crisis management.

إرسال تعليق

أحدث أقدم