تفكك تسوية تيجراي، وصعود التحالفات المسلحة
![]() |
موقع تيجراي وأمهرا وعفار يربط الحرب الداخلية مباشرة بالحدود الإريترية والسودانية وممر جيبوتي. |
وما يجعل التطور الأخير أكثر خطورة أن النزاع لم يعد يدور بين طرفين واضحين كما كان في حرب 2020–2022. ففي 21 سبتمبر أعلنت سبع قوى مسلحة وسياسية إثيوبية، بينها جبهة تحرير شعب تيجراي، والجبهة الوطنية لحركة فانو في إقليم الأمهرا، وجيش تحرير أورومو، تشكيل تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء بهدف إسقاط حكومة أبي أحمد وإنشاء ترتيبات انتقالية. وقد وصف المحليلون التحالف بأنه تجميع لجماعات ذات مصالح وتاريخ ومطالب متباينة، وهو ما يعني أن وجود التحالف لا يساوي تلقائيا وجود جيش موحد أو قيادة عسكرية موحدة.
غير أن التطور الأكثر حساسية جاء خلال الأيام السابقة؛ إذ سيطرت قوات تيجراي في 23 سبتمبر على مطارات مِقلي وأكسوم وشِيرِه، وامتد القتال إلى أقاليم الأمهرا وعفار. ثم استعادت القوات الموالية للحكومة الإثيوبية، في 28 سبتمبر، السيطرة على ألاماتا في جنوب التيجراي، بينما أفادت مصادر بأن قوات تيجراي سيطرت على إريبتي في العفار. وتكمن أهمية إقليم عفار في أن القتال هناك يقترب من مسار الإمدادات الذي يربط إثيوبيا بميناء جيبوتي، وهو المسار الذي تعتمد عليه حركة التجارة والاستيراد الإثيوبي بنسبة كبيرة. وحتى 29 سبتمبر ظل الوضع العسكري سريع التغير، ومن ثم؛ ينبغي التعامل مع السيطرة الميدانية باعتبارها مؤقتة وقابلة للتغير.
هذه التطورات تعني أن اتفاق بريتوريا لم يعد يعاني مجرد ثغرات تنفيذية؛ بل دخل عملياً مرحلة انهيار وظيفي كامل. فقد أعاد الاتحاد الأفريقي في 23 سبتمبر التأكيد على أن الاتفاق الموقع في 2 نوفمبر 2022 يظل الإطار المركزي للسلام، في حين حذر الأمين العام للأمم المتحدة من أن اتساع القتال قد يقود إلى صراع أوسع وأكثر تدميرا.
من السلام الهش إلى بنية صراع جديدة
لفهم الأزمة الحالية، لا يمكن القول بإن جبهة تيجراي استأنفت الحرب فقط. فالمشكلة أكثر تعقيدا من ذلك. فالاتفاق الذي أوقف الحرب السابقة لم يحسم بالكامل قضايا الأراضي المتنازع عليها، وإعادة دمج القوات، وترتيبات الحكم الإقليمي، والعلاقة بين القيادة الفيدرالية والقيادة التيجرانية. وتؤكد دراسة الأأكاديمية منشورة حديثة في أغسطس 2026 فى Frontiers in Political Science إلى أن اتفاق بريتوريا لم يفشل بالضرورة في اللحظة التي وقع فيها، وإنما ضعفت وظائفه السلمية تدريجياً بفعل بقاء قضايا إقليمية وسياسية ومؤسسية من دون تسوية، بالتزامن مع التوتر المتزايد بين إثيوبيا وإريتريا حول البحر الأحمر.
هذا بالإضافة إلى أن إعادة تشكيل السلطة في إقليم التيجراي قد بلغت مرحلة حاسمة في 5 مايو 2026، عندما عاد المجلس الإقليمي وانتُخب دبريتسيون جبرميكائيل رئيساً للإدارة الإقليمية، في خطوة لم تعترف بها الحكومة الفيدرالية الإثيوبية. وفي الوقت نفسه استمرت عملية إعادة تجنيد القوات التيجرانية، بينما تصاعدت الضربات الجوية والطائرات المسيرة المتبادلة.
بالتالى، فالأزمة الحالية ليست حرب بفعل عوامل خارجية بالكامل، كما أنها لم تكن ابدا نتيجة مباشرة لنزاع مصر وإثيوبيا حول أزمة مياه النيل وسد النهضة. ذلك أن الجذور الداخلية للصراع مستقلة فعليا عن التدخلات الإقليمية المفترضة. أما ما تغير في 2026 هو أن هذه الجذور الداخلية أصبحت تعمل داخل بيئة إقليمية أكثر عسكرة واستقطاباً من بيئة 2022. وهذا مهم جدا لمصر عند قراءة الاتهام الإثيوبي الأخير.
![]() |
خريطة الصراع في إقليم الأمهرا |
اتهام مصر بالتدخل في إعادة تشكيل القرن الأفريقي
الإتهام الإثيوبي، ولماذا مصر؟
في 27–28 سبتمبر وجه رئيس أركان القوات المسلحة الإثيوبية المشير برهانو جولا اتهاما لإريتريا والسودان ومصر بدعم القوات المعارضة للحكومة الفيدرالية. وقال إن الجماعات المسلحة التي تواجه الجيش لا يمكنها النجاح من دون دعم خارجي، واتهم إريتريا على وجه الخصوص بتقديم دعم مالي لجبهة تحرير شعب تيجراي، قبل أن يلمح إلى أن مصر والسودان جزء من شبكة الدعم الخارجية. لكنه لم يقدم أدلة علنية محددة على الدعم المصري، ولم يشرح طبيعة ذلك الدعم أو قنواته.
هنا يجب التمييز بين مستويين:
- المستوى الأول هو الخطاب الدبلوماسي الإثيوبي: ففي سبتمبر تحدث مسؤولون في الخارجية الإثيوبية عن تدخل مصري مزعوم، وعن ذهنية استعمارية وعن محاولة مصر الحفاظ على نفوذ مائي قديم، وربطوا ذلك أيضا بمسألة الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر. وفي 23 سبتمبر هاجم مدير عام الشؤون الأفريقية في الخارجية الإثيوبية تصريحات مصرية تتعلق بقواعد القانون الدولي للنيل، بينما شدد مسؤول إثيوبي آخر في 28 سبتمبر على أن إثيوبيا تعتبر الوصول المستقر إلى البحر هدفاً استراتيجياً لا ينبغي التعامل معه باعتباره تهديداً.
- المستوى الثاني هو الانتقال من خطاب التدخل السياسي إلى اتهام محدد بالتورط في الحرب المسلحة: هذا هو التطور الجديد بالفعل، وهو أخطر من مجرد خطاب تقليدي حول سد النهضة؛ لأن القاهرة لم تعد تُصوَّر في الخطاب الإثيوبي باعتبارها منافساً على المياه فقط، وإنما باعتبارها دولة يمكن أن تكون طرفا في إعادة توزيع القوة داخل إثيوبيا نفسها.
هذا التحول في لغة الخطاب الدبلوماسى هو ما يستحق الانتباه أكثر من مجرد الوقوف عند صحة الاتهام من عدمها.
هل توجد أدلة على دعم مصري للتمرد فى إثيوبيا؟
حتى لحظة إعداد هذا التحليل، لم نجد دليلا مستقلا منشورا يثبت تورط مصر عسكريا في تمويل أو تسليح جبهة تحرير شعب تيجراى TPLF أو الجبهة الوطنية لحركة فانو، أو حتى التحالف الجديد بين حركات التمرد السبع. كما أن اليورونيوز Euronews أوضحت صراحة أن برهانو جولا لم يقدم أدلة على اتهامه، كما نقلت أن مصر والسودان لم يقدما في البداية رداً علنيا، وفي 28 سبتمبر رفض الجيش السوداني الاتهام الإثيوبي ووصفه بأنه بلا أساس.
غير أنه رغم غياب الدليل المنشور؛ إلا أنه ليس دليلا على استحالة وجود اتصالات أو قنوات غير معلنة. كما أن القاعدة المنهجية هنا مهمة: إذ لا يمكن الانتقال من وجود تقارب استراتيجي بين مصر وقوى إقليمية معادية لسياسات أديس أبابا إلى إثبات دعم القاهرة لجماعات مسلحة داخل إثيوبيا، ما لم يوجد دليل.
ومع ذلك، يمكن توثيق شيء آخر مهم، وهو أن مصر عمقت بالفعل علاقاتها الأمنية والسياسية مع الصومال، وأكدت مشاركتها في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم واستقرار الصومال - AUSSOM، واستمرت في التعاون العسكري والتدريبي مع مقديشو خلال سبتمبر 2026. وفي 15 سبتمبر استقبل الجيش الصومالي وفداً عسكريا مصريا لتعزيز التعاون والتدريب وبناء القدرات، كما استقبل وزير الدفاع الصومالي وفداً عسكرياً مصريا آخر في 20 سبتمبر.
إذن هناك تغير موثق في البيئة الاستراتيجية المحيطة بأمن إثيوبيا. غير أن هذا فعليا شيء مختلف عن مسألة إثبات كون مصر تشارك في الحرب الداخلية الإثيوبية.
لماذا تنظر أديس أبابا إلى هذه التحركات باعتبارها "تطويقا"؟
الإجابة بسيطة، لأن جغرافيا القوة تغيّرت بالفعل.
لسنوات كان جوهر النزاع المصري ـ الإثيوبي يدور حول النيل وسد النهضة. أما اليوم فقد أصبح ملف المياه جزءا من منظومة أمنية أوسع تشمل تيجراي، إريتريا، السودان، الصومال، جيبوتي، البحر الأحمر وخليج عدن. وتظهر هذه النقلة في الأدبيات الأكاديمية الحديثة نفسها؛ ففى دراسة منشورة في Journal of International Dispute Settlement خلال يونيو 2026؛ ترى أن نزاع سد النهضة GERD بعد افتتاحه لم يعد مجرد خلاف على توزيع المياه، وإنما أصبح مرتبطا بالنفوذ الإقليمي والأمن والشرعية السياسية.
وبالمثل، تؤكد دراسة أخرى في Journal of Strategic Security أن مفاوضات سد النهضة أصبحت ساحة لصراع أوسع على النفوذ والقدرة التفاوضية وإعادة توزيع القوة الهيدرومائية في حوض النيل، مع تزايد أهمية السودان في المعادلة بفعل الحرب الداخلية.
وهنا تكمن نقطة التحول الأساسية: النزاع الإثيوبي ـ المصري لم يعد محصوراً في «من يحصل على مياه أكثر»، بل أصبح جزءاً من سؤال أوسع: من يملك القدرة على تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي والنيل؟
ختام الجزء الأول من هذا التحليل
تكشف التطورات المتلاحقة في شمال إثيوبيا أن الأزمة الحالية لا يمكن اختزالها في عودة القتال بين الحكومة الفيدرالية وقوات تيجراي، ولا في الخلاف المزمن حول توزيع السلطة بين المركز والأقاليم. فمع اتساع نطاق المواجهات وظهور تحالف جديد يضم قوى مسلحة كانت متباعدة أو متصارعة في مراحل سابقة، باتت القيادة الإثيوبية تنظر إلى الصراع الداخلي باعتباره مرتبطا ببيئة إقليمية أكثر عدائية وتعقيدا. ومن ثم، جاءت اتهامات رئيس أركان القوات المسلحة الإثيوبية لمصر والسودان وإريتريا بدعم القوى المسلحة المناهضة للحكومة المركزية؛ وهي الاتهامات التى لم تدعم - حتى الآن - بأدلة علنية قاطعة تثبت تورط القاهرة عسكريا، لكنها تكشف بوضوح أن أديس أبابا باتت تضع القاهرة داخل خريطة التهديدات التي تربط بين الداخل الإثيوبي ومحيطه الإقليمي.
غير أن مفهوم "التطويق" هنا لا يحتاج بالضرورة إلى وجود غرفة عمليات إقليمية واحدة أو تحالف معلن ومتكامل حتى يصبح ذا أثر سياسي. بل يكفي بالنسبة إلى صانع القرار الإثيوبي أن تتزامن عدة تحركات مستقلة (العلاقات المصرية ـ الصومالية، مشاركة مصر في ترتيبات الأمن الصومالي، التوتر الإثيوبي ـ الإريتري، هشاشة الحدود مع السودان، والنزاع المستمر حول مياه النيل) كي تبدو النتيجة الاستراتيجية واحدة: تضيق مساحة الحركة الإثيوبية في محيطها المباشر. وهذا هو التحول الأهم في الأزمة؛ إذ لم تعد أديس أبابا تتعامل مع كل ملف باعتباره أزمة منفصلة، بل بدأت تقرأها بوصفها أجزاء من بيئة استراتيجية واحدة.
هكذا ينتقل مركز الثقل في الأزمة من سؤال من يقاتل من داخل إثيوبيا؟ إلى سؤال أكثر اتساعا: كيف تتصل الحرب الداخلية الإثيوبية بإعادة توزيع القوة خارج حدودها؟ فالدولة التي تخشى تطويقا سياسيا وأمنيا من الغرب والشمال والشرق، لا تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره مجرد منفذ تجاري، كما أن خصومها الإقليميين لا ينظرون إلى النيل باعتباره ملفا منفصلا عن الأمن البحري والحدود والصراع على النفوذ في القرن الأفريقي.
هنا تحديدا يبدأ البعد الأخطر للأزمة. فإذا كان القتال في تيجراي وأمهرا وعفار هو التعبير الداخلي عن أزمة الدولة الإثيوبية، فإن البحر الأحمر هو المجال الذي يمكن أن تتحول فيه هذه الأزمة من صراع داخلي إلى إعادة تشكيل أوسع للنظام الإقليمي. بالتالى، ومن هذه الزاوية تحديدا؛ يصبح فهم ما يحدث في إثيوبيا مستحيلا دون تتبع العلاقة بين الساحل الإريتري، وممر جيبوتي، والصومال، وباب المندب، والنيل.
لذا تأتي الحلقة التالية في هذه الأزمة: البحر الأحمر باعتباره الحلقة التي تربط الملفات ببعضها.

