باب المندب بعد التحول الحوثي: صراع المضيق وإعادة تشكيل النظام الأمني للبحر الأحمر

 

من تهديد الملاحة إلى إعادة تشكيل المجال الاستراتيجي

خريطة توضح أهم نافذ الطرق البحرية فى الشرق الأوسط، وتهديد الملاحة
خريطة توضح أهم نافذ الطرق البحرية فى الشرق الأوسط


كان من الممكن، حتى وقت قريب، التعامل مع أزمة باب المندب بوصفها إحدى نتائج الحرب اليمنية؛ جماعة مسلحة تملك قدرات صاروخية وطائرات مسيرة، وتستطيع تهديد السفن من الساحل اليمني، بينما تحاول القوى الدولية حماية الملاحة من دون الانخراط في إعادة بناء النظام السياسي اليمني. لكن التطورات التي شهدها سبتمبر 2026 تدفع الأزمة إلى مستوى مختلف. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي اليمني، والسيطرة على مواقع وجزر قريبة من المضيق، وتصاعد الضربات على الأراضي والمنشآت السعودية، ثم انتقال الرياض إلى البحث عن دعم أوسع، بما في ذلك اتصالات استخباراتية عبر القيادة المركزية الأمريكية مع إسرائيل، كلها مؤشرات على أن باب المندب لم يعد مجرد نقطة عبور مهددة، وإنما أصبح جزءا من إعادة توزيع أوسع للقدرة على استخدام القوة داخل البحر الأحمر. 

وتنبع أهمية هذه اللحظة من أن باب المندب لا يعمل منفردا. فهو الطرف الجنوبي لممر مائي يصل خليج عدن بالبحر الأحمر، ثم قناة السويس، ثم البحر المتوسط. وبالتالى، فإن القدرة على رفع مخاطر العبور في الجنوب يمكن أن تنتج آثارا في الشمال حتى عندما تظل قناة السويس نفسها مفتوحة. هذه النقطة التي بدت نظرية خلال السنوات الماضية أصبحت ذات أهمية عملية؛ فقد أوضحت أزمة الملاحة منذ 2023 أن شركات النقل لا تحتاج إلى إغلاق المضيق بالكامل حتى تغيّر مساراتها، يكفي أن يصبح المرور فيه أعلى مخاطرة لكي تتغير حسابات التأمين والسرعة والوقود والزمن.

وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن حركة قناة السويس ظلت خلال السنة المالية 2025/2026 أقل بكثير من مستويات ما قبل أزمة البحر الأحمر؛ إذ بلغ متوسط العبور نحو 39 سفينة يوميا مقارنة بنحو 73 سفينة في 2023، مع وجود تحسن تدريجي في الإيرادات. وهذا يعني أن العلاقة بين أمن باب المندب وأداء قناة السويس ليست افتراضًا جغرافيًا مجردًا، وإنما علاقة ظهرت بالفعل في البيانات الاقتصادية.

 التطور الأخير تحولا نوعيا؛ لماذا؟

التطور الأساسي في سبتمبر 2026 ليس فقط أن الحوثيين أصبحوا أقرب إلى باب المندب، بل أن أطرافا مختلفة بدأت تتعامل مع الخطر باعتباره مشكلة نظام إقليمي مترابط.

فالسعودية تواجه في الوقت نفسه تهديدا مباشرا على أراضيها، وضغطا على بنيتها التحتية للطاقة، كما تواجه خطرا متزايدا على المسارات البحرية المرتبطة بالبحر الأحمر. وأفادت AP بأن الرياض طلبت مساعدة دفاعية من عدة دول، من بينها مصر وفرنسا وبريطانيا وباكستان، بينما أشارت تقارير أخرى إلى استمرار الدعم الأمريكي غير المباشر عبر المعلومات الاستخباراتية والمساندة الدفاعية. 

وفي 15 سبتمبر جاء اجتماع ولي العهد السعودي بالرئيس المصري في القاهرة في سياق إقليمي بالغ الحساسية. وتقول رويترز إن المباحثات شددت على ضرورة الحفاظ على حرية وأمن الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر، بينما أعلنت القاهرة رسميا تضامنها مع السعودية ووصفت أمن البلدين بأنه مترابط ومتكامل. 

هنا لابد من ملاحظة أن مصر لا تنظر إلى باب المندب باعتباره ممرا بحريا بعيدا عن أمنها القومى. فالقناة التي تبدأ استراتيجيا من الطرف الشمالي للبحر الأحمر لا يمكن فصلها عن أمن الطرف الجنوبي. ومن ثم، فإن أي تغير مستدام في بيئة باب المندب يعيد تعريف قيمة قناة السويس ذاتها، ليس فقط باعتبارها قناة مائية، وإنما باعتبارها الجزء الشمالي من منظومة ملاحة ممتدة من المحيط الهندي إلى المتوسط.

ولفهم الخلفية الاستراتيجية التي تسبقت هذا التحول، يمكن الرجوع إلى تحليلنا السابق لأزمة باب المندب وأمن البحر الأحمر، الذي تناول موقع المضيق في منظومة الملاحة الإقليمية، وعلاقته بأمن قناة السويس والمصالح المصرية.

من الحرب اليمنية إلى "أمن متعدد الطبقات"

تقدم  لنا أدبيات السياسية الحديثة إطارا يساعدنا على فهم هذه النقلة. فقد وصف Federico Donelli البحر الأحمر بأنه يتجه نحو "مجمع أمني هجين" تتداخل فيه صراعات البر والبحر، بحيث يصبح النزاع على الأرض قادرا على تغيير قواعد الأمن البحري، فيما يمكن للوجود العسكري في البحر أن يؤثر بدوره في الصراعات البريةكما تقدم دراسة حديثة في The Journal of North African Studies إضافية بالغة الأهمية؛ إذ تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره فضاءً جيوسياسيا يربط شمال أفريقيا وغرب آسيا من خلال الممرات والعقد ونقاط الاختناق، وليس مجرد حد فاصل بين منطقتين سياسيتين. وضمن هذا المنظور، يصبح باب المندب وقناة السويس جزءًا من بنية واحدة للحركة والاعتماد المتبادل، تتقاطع فيها الموانئ والتجارة والوجود البحري والبنية التحتية والاستثمار الاستراتيجي.

هذا يفسر لماذا يصعب اليوم تحليل أزمة باب المندب من خلال العلاقة السعودية–الحوثية وحدها. فالولايات المتحدة موجودة عبر CENTCOM، والصين تملك مصالح استراتيجية في الموانئ وخطوط التجارة، وإسرائيل تدخل في الصورة من بوابة الاستخبارات والإنذار المبكر، بينما تنظر مصر إلى المسألة من موقع الدولة التي تقع قناة السويس في مركز اقتصادها وأمنها البحري. وفي الضفة المقابلة، يتصل الملف بالقرن الأفريقي حيث أصبحت الموانئ والجزر والقواعد العسكرية جزءا من عملية تنافس أوسع على البحر الأحمر. 

الدرس التاريخي: باب المندب لم يكن هامشا في الاستراتيجية المصرية

للتاريخ بعدا آخر فيم يتعلق بهذه الأزمة. فخلال حرب أكتوبر 1973 استخدمت مصر قدراتها البحرية في باب المندب لمنع وصول الإمدادات إلى إسرائيل عبر البحر الأحمر. وتؤكد وثائق وزارة الخارجية الأمريكية أن القاهرة وافقت لاحقا على تخفيف هذا الإغلاق ضمن ترتيبات فك الاشتباك، بينما تظهر شهادات تاريخية مصرية تفاصيل الإعداد للعملية البحرية وسرية تحريك القطع البحرية إلى المنطقة. 

غير أن المقارنة التاريخية لا تعني بالضرورة أن الظروف الحالية مطابقة لما حدث فى 1973. الفارق الأساسي أن الدولة المصرية كانت آنذاك تستخدم قوة بحرية نظامية ضمن حرب بين دول، بينما يتمثل التهديد الحالي في كون الفاعل غير دولي يملك قدرات صاروخية وطائرات مسيرة ويستفيد من الجغرافيا الساحلية ومن هشاشة الدولة اليمنية ومن شبكات إقليمية أوسع. وهذا يجعل إغلاق المضيق أقل أهمية تحليليا من القدرة على جعل الملاحة غير مضمونة.

هنا تظهر إحدى السمات الجديدة للحرب البحرية المعاصرة: لا تحتاج القوة الأصغر إلى السيطرة الكاملة على الممر حتى تنتج تأثيرا استراتيجيا بالغ الأثر؛ إذ يكفي أن تجعل شركات الشحن والتأمين تعتبر أن المرور أقل ضمانا من مسار بديل. هذه النتيجة هي بالضبط ما تفسره أدبيات السياسة الحديثة حول هشاشة سلاسل الإمداد البحرية، حيث يمكن لتهديد محدود في نقطة اختناق ما أن ينتج أثرا عالميا أكبر بكثير من حجم القوة المستخدمة.

الاتصالات السعودية–الإسرائيلية: ماذا تعني؟

يمثل دخول الاتصالات السعودية–الإسرائيلية، عبر القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، إلى المعادلة الأمنية اليمنية، جانبا شديد الحساسية في التطورات الأخيرة. وينبغي هنا الحفاظ على التمييز بين ما هو مثبت وما يزال غير معلن تفصيليا. فقد أفادت أكسيوس (Axios) بأن إسرائيل والسعودية تبحثان كيفية تقديم الدعم الإسرائيلي للعمليات السعودية، بما يشمل الاستخبارات والاستطلاع والمراقبة، بينما نقلت صحيفة جيروزاليم بوست (Jerusalem Post) عن مصدر من داخل CENTCOM تأكيد وجود اجتماع عسكري مغلق في ألمانيا. وفي 16 سبتمبر الجارى أفادت إسرائيل هيوم  (Israel Hayom) إن الاتصالات بين الجانبين تجري عبر CENTCOM وأن المساعدة في هذه المرحلة ذات طبيعة استخباراتية، مع حديث عن الإنذار المبكر.

لا تكمن أهمية هذا التطور في مجرد العلاقة الثنائية بين الرياض وتل أبيب، وإنما في كونه يشير إلى ظهور بنية أمنية شبكية حول الأزمة. فالمعلومات الاستخباراتية والإنذار المبكر لا تعنيان بالضرورة مشاركة مباشرة في القتال، لكنهما تستطيعان تغيير قدرة الطرف المستفيد على رصد إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة، وتحديد مصادر التهديد، وتوزيع الموارد الدفاعية.

تكمن المفارقة الاستراتيجية هنا فى أن الولايات المتحدة تظهر- في الوقت نفسه - في مسار آخر. فقد أفادت رويترز بأن مسؤولين أمريكيين التقوا ممثلين للحوثيين في عُمان، وأن واشنطن واصلت استخدام القناة العمانية في محاولة لإدارة التصعيد. وهو ما يعني أن السياسة الأمريكية في هذه المرحلة قد لا تتحرك وفق خط واحد. فقد تجمع بين الردع والدفاع عن الملاحة من جهة، والاتصال والتفاوض من جهة أخرى. وهذه الازدواجية ليست بالضرورة تناقضا؛ فقد تكون إحدى أدوات إدارة أزمة، كون واشنطن لا تريدعا أن تتحول إلى حرب إقليمية مفتوحة.

ما يهم ذلك مصر 

المسألة المصرية لا تتوقف عند إيرادات قناة السويس، رغم أن هذه الإيرادات تمثل عاملا هاما في الاقتصاد المصري. غير أن الخطر الأعمق يتمثل في أن تتحول الجغرافيا المحيطة بالقناة أكثر اضطرابا بحيث تتغير قيمة الطريق نفسه في حسابات شركات النقل والدول المستوردة للطاقة.

وتتعاظم هذه المشكلة لأن مصر تواجه في الوقت نفسه تحولات جيوسياسية في الشرق والجنوب. فالبحر الأحمر يرتبط بالقرن الأفريقي، والقرن الأفريقي يتصل مباشرة بحوض النيل عبر السودان وإثيوبيا والصومال، فيما تستمر المنافسة على الموانئ والممرات البحرية والبنية التحتية الاستراتيجية في هذه المنطقة. وتذهب دراسة منشورة في Frontiers in Political Science عام 2026 إلى أن الصراعات في البحر الأحمر والقرن الأفريقي لا يمكن تفسيرها عبر مستوى واحد، لأن العوامل المحلية والإقليمية والدولية تتفاعل داخل منظومة واحدة.

هنا تتبلور أهمية مفهوم التضييق الاستراتيجي التراكمي. فليس من الضروري وجود تحالف معلن يستهدف مصر حتى تتقلص حرية حركتها. يكفي أن تتغير عدة مواقع وأدوار في الوقت نفسه؛ بأن يصبح باب المندب أكثر اضطرابا، وأن تتسع المنافسة على الموانئ في القرن الأفريقي، وأن تتغير أنماط الانتشار العسكري، وأن يصبح أمن البحر الأحمر أكثر اعتمادًا على ترتيبات أمنية لا تشارك القاهرة في صياغتها كلها، بالتزامن مع استمرار الضغوط المتعلقة بحوض النيل.

هذه ليست "خطة حصار" بالمعنى التقليدي، ولا تقدم المعطيات الحالية دليلا على استراتيجية موحدة من هذا النوع. لكنها قد تنتج نتيجة تراكمية مشابهة من حيث تضييق هامش الخيارات إذا استمرت التحولات دون أن يكون لكل منها رابط مباشر أو قصد واحد.

بعض سيناريوهات الأزمة

السيناريو الأول: احتواء أمني دون حرب إقليمية واسعة

قد تتحول الأزمة إلى نموذج من الاحتواء المتدرج، هو أحد المسارات المحتملة جدا خلال المستقبل القريب؛ إذ تعزيز الدفاعات السعودية، مع زيادة تبادل المعلومات، وتوسيع التنسيق عبر CENTCOM، لحماية الملاحة. وفى الوقت نفسه، يتم استمرار قنوات اتصال غير مباشرة مع الحوثيين عبر عُمان. وتشير الوقائع الحالية إلى أن هذا المسار ليس افتراضا نظريا بالكامل؛ إذ توجد - في نفس التوقيت - اتصالات أمريكية مع الحوثيين واتصالات عسكرية متعددة الأطراف حول الأزمة.

في هذه الحالة قد يستمر باب المندب في العمل، لكن في بيئة تكون مخاطرها أعلى. وهذا يعنى أن المشكلة الاقتصادية لن تختفي؛ بل تتحول من إغلاق إلى عدم يقين مزمن. وقد يكون هذا النوع من الأزمات أكثر استدامة من الحصار التقليدي، لأنه لا يحتاج إلى إيقاف الملاحة بالكامل حتى يغير سلوك الشركات.

السيناريو الثاني: توسع الحرب من الساحل اليمني إلى نظام أمني إقليمي

هذا هو السيناريو الأكثر تصعيدا؛ إذ يتمثل في انتقال العمليات من ضربات متبادلة إلى إعادة تشكيل عسكري أوسع للساحل الغربي اليمني. وإذا استمرت السيطرة الحوثية على مواقع قريبة من باب المندب وتعززت قدراتها على استخدام الجزر والموانئ والساحل، فقد تبدأ دول المنطقة في بناء حضور أمني أكثر مباشرة حول المضيق.

في هذه الحالة لن يعود سؤال: هل يهاجم الحوثيون السفن؟ بل سوق يتحول إلى: من يمتلك القدرة المستدامة على مراقبة المدخل الجنوبي للبحر الأحمر؟ وهذا هو السؤال هو ما قد يفتح المجال أمام سباق أكبر للسيطرة على الجزر والموانئ والقواعد ومراكز الاستطلاع.

هنا مباشرة، يمكن أن تتصل أزمة باب المندب بالقرن الأفريقي. فمع كل تزايد في أهمية الطرف اليمني للمضيق، يجعل ذلك الضفة الأفريقية أكثر قيمة، وذلك بسبب أن أمن المضيق لا يمكن فصله عن الشاطئ المقابل والجزر والمسافات البحرية القصيرة.

السيناريو الثالث: تسوية يمنية تعيد تعريف أمن البحر الأحمر

هنا يوجد مسار مختلف تماما؛ إذ يقوم على افتراض عودة التفاوض حول اليمن باعتباره أصل المشكلة لا مجرد ملف فرعي من ملفات الأمن البحري. وإذا نجحت الوساطات الدولية والإقليمية في الوصول إلى ترتيبات تقلل من قدرة أي طرف على استخدام الساحل اليمني كأداة حرب تؤثر على الملاحة، فقد تتراجع الحاجة إلى عسكرة البحر الأحمر تدريجيا.

غير أن هذا السيناريو يتطلب أكثر من اتفاق لوقف إطلاق النار. فالتجربة منذ 2015 أظهرت أن الهدوء النسبى فى البيئة المحلية لا يمنع بالضرورة إعادة إنتاج الصراع من خلال قوى محلية متنافسة أو رعاة إقليميين مختلفين. لذلك فإن التسوية الفعالة على المدى الطويل ستكون مرتبطة، بصورة أو بأخرى، بمستقبل الدولة اليمنية نفسها وبوضع الموانئ والساحل وترتيبات الأمن البحري.

السيناريو الرابع: تشكل بنية أمنية بحرية جديدة في البحر الأحمر

على المدى البعيد، قد يكون التطور الأكثر أهمية هو نشوء ترتيب أمني جديد لا يعتمد على دولة واحدة. فبدل أن تظل حماية البحر الأحمر قائمة على دور أمريكي مركزي، قد تتوسع شبكات التعاون بين دول الخليج ومصر وإسرائيل والقوى الغربية، مع أدوار متفاوتة للصين وغيرها من القوى الخارجية.

مثل هذا الاحتمال لا يفترض بالضرورة وجود تحالفا سياسيا موحدا؛ فقد تتعاون الدول في المجال البحري بينما تختلف جذريا في ملفات أخرى. غير أن ما قد يتغير هو منظومة إدارة الحركة البحرية والمخاطر. هنا تزداد قيمة المعلومات والموانئ والإنذار المبكر والوجود البحري بقدر لا يقل عن قيمة السفن الحربية نفسها.

وتقدم لنا أدبيات السياسة المعاصرة مفهوم الجار البحري في البحر الأحمر باعتباره شبكة من الممرات والعقد ونقاط الاختناق، وهو تصور يفسر لماذا يمكن لحدث في اليمن أن يؤثر في مصر أو القرن الأفريقي، ولماذا يمكن لتحول في ميناء أفريقي أن يصبح ذا أثر في حسابات الخليج.

ختاما: المشكلة ليست في المضيق وحده

التطور الحالي في باب المندب لا يعني أن الحوثيين امتلكوا بالفعل السيطرة القانونية على المضيق، كما لا يعني أن نظاما إقليميا جديدا قد اكتمل تكوينه فعلا. الأدلة الحالية تدعم شيئا أكثر تحديدا، ألا وهو قدرة الحوثيين على الاقتراب من نقطة الاختناق ورفع تكلفة المرور، بالتزامن مع انتقال السعودية إلى طلب دعم متعدد الأطراف، ودخول CENTCOM في دور تنسيقي واضح، وظهور اتصالات استخباراتية سعودية–إسرائيلية، وعودة مصر إلى قلب الحسابات السياسية الخاصة بأمن البحر الأحمر.

هذا هو التحول الذي ينبغي مراقبته.فالمسألة لم تعد هل يستطيع الحوثيون تهديد باب المندب؟ بل أصبحت أكثر تعقيدا؛ إذ تحولت إلى تساؤل حول ما النظام الأمني الذي من المحتمل أن يشكل حول باب المندب إذا استمر هذا التهديد؟ ومن الذى سوف تكون له القدرة على إدارة هذا النظام أو التأثير في قواعد الحركة داخله؟

بالنسبة إلى مصر، يجب التوقف عند سؤال ثالث أكثر شمولية: هل سيبقى البحر الأحمر ممرا استراتيجيا تستفيد القاهرة من موقعها فيه، أم يتحول تدريجيا إلى فضاء أمني كثيف تتوزع داخله مراكز القوة والموانئ وشبكات الإنذار والتحالفات بحيث تصبح الميزة الجغرافية المصرية أقل بساطة وأكثر اعتمادا على ترتيبات إقليمية ودولية متغيرة؟

من هنا يصبح باب المندب حلقة ضمن سلسلة واحدة مترابطة من خليج عدن إلى البحر الأحمر، ومن البحر الأحمر إلى قناة السويس، ومن القرن الأفريقي إلى حوض النيل. لذا فإن قراءة التطورات الحالية بوصفها أزمة يمنية فقط تقلل من حجم التحول الذي يجري في المجال الإقليمي المحيط بمصر.

 بعض المراجع والمصادر 

  • U.S. Department of State, Office of the Historian. 1973. Foreign Relations of the United States, 1969–1976, Volume XXV: Arab-Israeli Crisis and War, 1973. الوثائق الخاصة بإغلاق باب المندب وترتيبات تخفيفه وإعادة الملاحة.
  • State Information Service, Egypt. 2026. بيانات الرئاسة ووزارة الخارجية المصرية بشأن زيارة ولي العهد السعودي والتطورات الأمنية في المنطقة.
  • Reuters. 2026. “Why is the Bab el-Mandeb Strait so important?” September 10.
  • Reuters. 2026. “Houthi Blitz Leaves Saudi Arabia Exposed, Iran Emboldened.” September 16.
  • Reuters. 2026. “Yemen’s Houthis Close in on Bab el-Mandeb Strait in New Threat to Shipping.” September 10.
  • Reuters. 2026. “Egypt’s Sisi and Saudi Crown Prince Stress Need for Security of Red Sea Navigation.” September 15.
  • Reuters. 2026. “US Officials Met Iran-Backed Houthis in Oman over the Weekend, Sources Say.” September 16.
  • Axios. 2026. “Scoop: U.S., Israeli and Arab Military Chiefs Held Secret Meeting on Iran.” September 15.
  • The Jerusalem Post. 2026. “CENTCOM, IDF, Arab Militaries Held Military Summit on Middle East, Iran.” September 15.
  • Associated Press. 2026. “Saudis Seek Allies’ Help as Missile Defenses Run Low in Fight with Houthis.” September 16. 


Dr. Dahlia SaadEl-Din

GeoKmt | Strategic Analysis & Historical Geopolitics of the Nile Basin. Dahlia (Dalia) Saad El-Din, PhD in Philosophy of History – African Studies, Modern and Contemporary History, Cairo University. A researcher specializing in the historical geopolitics of the Nile Basin and the Horn of Africa, with research interests in political authority and nationalities in Ethiopia, resource conflicts, regional security, military logistics, and crisis management.

إرسال تعليق

أحدث أقدم