يبحث هذا المقال، وما سوف يليه من مقالات؛ في التزامن بين التصعيد العسكري والسياسي بين إثيوبيا وإريتريا، وتجدد الحرب في اليمن، والتنافس على النفوذ في الممر البحري الممتد بين خليج عدن والبحر الأحمر. وننطلق من فرضية مفادها أن خطورة هذه التطورات على مصر لا تتوقف على احتمال نشوب حرب إثيوبية-إريترية شاملة، أو تغير السيطرة الميدانية في باب المندب، بل تتعلق كذلك بالتأثير التراكمي لهذه الأزمات في بيئة الأمن الإقليمي، وحرية الملاحة، والتوازنات العسكرية والدبلوماسية المحيطة بحوض النيل والبحر الأحمر.
![]() |
| خريطة توضح المواقع الجغرافية الرئيسية في شمال إثيوبيا قرب الحدود الإريترية، ولا تمثل خطوط السيطرة العسكرية المتنازع عليها. |
التزامن الإقليمي بوصفه مشكلة استراتيجية
لا يمكن فهم التصعيد في القرن الأفريقي والبحر الأحمر باعتباره مجموعة من الأزمات المنفصلة تماما. فإثيوبيا دولة محورية في حوض النيل، لكنها دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993. أما اليمن فهو يقع على الجانب الآسيوي من مدخل البحر الأحمر، بينما تتحكم الدول الساحلية الأفريقية، وفي مقدمتها إريتريا وجيبوتي، بجزء من البيئة الجغرافية التي تحيط بأحد أهم الممرات البحرية الدولية. أما مصر، فتتصل بهذه الجغرافيا عبر قناة السويس، كما ترتبط مباشرة بالخلاف حول مياه النيل وسلامة الاستخدامات المائية القائمة.
وتمنح هذه الروابط أزمات المنطقة قدرة على التأثير المتبادل. فالتصعيد في تيجراي يمكن أن يعيد فتح ملف الحدود بين إثيوبيا وإريتريا، ويزيد من أهمية مسألة الوصول الإثيوبي إلى البحر. وفي الوقت نفسه، يمكن أن يؤدي اتساع الحرب اليمنية إلى زيادة المخاطر التي تواجه السفن في باب المندب، وهو ما قد يؤثر في حركة التجارة المتجهة إلى قناة السويس أو الخارجة منها. ويزداد الأمر تعقيدا حين تصبح الممرات البحرية موضع تنافس بين القوى الإقليمية والدولية.
غير أن تزامن التوقيت لا يكفي لإثبات وجود قيادة واحدة لكل هذه التطورات أو اعداد خطة منسقة تستهدف أمن مصر الإقليمى. لذا فالأدق هو التمييز بين ثلاثة مستويات: - الوقائع الميدانية المثبتة، - المصالح الاستراتيجية التي تفسر تحركات الدول، ثم - الفرضيات المستقبلية التي تحتاج إلى مؤشرات إضافية حتى يمكن اعتبارها مرجحة.
وبالتالى، فإن المسألة الأساسية لا تتمثل في تحديد ما إذا كانت مصر محاصرة بالفعل، أو إن الخطر على الأمن القومى يتزايد! وإنما في تقييم ما إذا كانت البيئة المحيطة بها تشهد تغيرا دوليا وإقليميا؛ قد يضيّق تدريجيا مساحة خياراتها الاستراتيجية.
أولًا: الأزمة الإثيوبية الإريترية بين صراع الحدود وطموح الوصول إلى البحر
1. من الحرب القديمة إلى انهيار التفاهم السياسي
تعود جذور الصراع الإثيوبي-الإريتري إلى تعقيدات تاريخية وسياسية ترتبط بالحدود، والهوية الوطنية، والعلاقات بين القيادتين، والتحولات التي أعقبت استقلال إريتريا عن إثيوبيا عام 1993. فقد خاض البلدان حربا واسعة بين عامي 1998 و2000، انتهت باتفاق الجزائر، ثم دخلت العلاقات مرحلة من الجمود والتوتر استمرت سنوات.
ثم جاء اتفاق السلام المعلن عام 2018، الذى مثل تحولا مهما عندما اتجهت حكومتا أبي أحمد وأسياس أفورقي إلى إنهاء حالة العداء، وهو تطور أسهم في حصول رئيس الوزراء الإثيوبي على جائزة نوبل للسلام عام 2019. لكن التقارب بين الدولتين لم يتحول إلى تسوية مؤسسية تمنع عودة الخلافات الأمنية والاستراتيجية.
وخلال حرب تيجراي بين عامي 2020 و2022، قاتلت القوات الإريترية إلى جانب الحكومة الإثيوبية ضد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي. ومع انتهاء الحرب باتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022، ظهرت تناقضات جديدة بشأن مستقبل الإقليم، وطبيعة النظام الأمني في شمال إثيوبيا، وموقف إريتريا من الترتيبات السياسية والعسكرية الناشئة.
وقد أوضحت تحليلات تشاتام هاوس المنشورة في مارس 2025 أن التوتر بشأن الوصول إلى البحر الأحمر، والتدخلات المتبادلة في الشؤون الداخلية، والصراع داخل تيجراي يمكن أن تتفاعل لتنتج حربا أوسع. ومن ثم، لم تكن المواجهة الحالية مفاجأة منفصلة عن التاريخ السابق، بل هى تطور داخل أزمة لم تُعالج أسبابها الأساسية بصورة كاملة.
2. أكتوبر 2026
بحلول بداية أكتوبر 2026، تصاعدت المواجهة مجددا في شمال إثيوبيا، ثم أعلنت أديس أبابا طرد عشرة دبلوماسيين إريتريين وإغلاق سفارتها في أسمرا، واتهمت الحكومة الإريترية بالتدخل في الصراع الداخلي الإثيوبي ودعم جماعات مسلحة معارضة. وردت إريتريا بقطع العلاقات الدبلوماسية.
في الوقت نفسه، عادت الاشتباكات بين القوات الإثيوبية وتحالف معارض يضم الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي ومجموعات أخرى. وأفادت تقارير بوجود تحركات للقوات الإريترية داخل الإقليم، وبوقوع ضربات إثيوبية بطائرات مسيّرة.
ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن مصادر ميدانية أن قوات إريترية دخلت بلدتي أديجرات وإيداجا هاموس، كما أوردت تقارير مجموعة ACLED المتخصصة في رصد النزاعات بشأن عبور قوات للحدود وتعرضها لضربات جوية. غير أن الوكالة أشارت إلى أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من جميع هذه الروايات.
وفي 9 أكتوبر، اتهمت إثيوبيا إريتريا بالعدوان العسكري، ووجهت رسالة إلى مجلس الأمن الدولي قالت فيها إنها تحتفظ بحق الدفاع عن النفس. وفي المقابل، طالبت إريتريا مجلس الأمن باتخاذ تدابير رادعة ضد إثيوبيا، ووصفت الاتهامات الموجهة إليها بأنها جزء من محاولة لتبرير حرب عدوانية.
وتؤكد هذه التطورات أن الأزمة تجاوزت التوتر الدبلوماسي العادي، ومع ذلك يظل التمييز القانوني والسياسي ضروريا؛ إذ لا يعني تبادل رسائل الاتهام أمام مجلس الأمن إعلان رسمي للحرب، ولا يحسم بذاته أي الطرفين مسؤول عن بدء استخدام القوة.
3. هل تسعى إثيوبيا إلى احتلال إريتريا؟
يجب الفصل هنا بين هدف إثيوبي معلن يتمثل في الحصول على منفذ موثوق ومستدام إلى البحر، وبين استنتاج أن الحكومة الإثيوبية قررت احتلال إريتريا أو الاستيلاء على ساحلها.
منذ عام 2023، وصف أبي أحمد الوصول إلى البحر الأحمر بأنه مسألة وجودية بالنسبة إلى إثيوبيا. ويعكس ذلك عدة مصالح؛ إذ يمكن تقليل الاعتماد على الموانئ الأجنبية، وخفض تكاليف النقل والتجارة، وزيادة المرونة اللوجستية، وتعزيز المكانة الإقليمية، وربما توسيع القدرات البحرية مستقبلا.
وتعتمد إثيوبيا بدرجة كبيرة على جيبوتي في تجارتها الخارجية. ولهذا تنظر أديس أبابا إلى تنويع منافذها البحرية بوصفه مصلحة اقتصادية وأمنية طويلة الأمد، بينما تنظر الدول الساحلية إلى المطالب الإثيوبية بقدر من الحذر، خصوصا عندما تتصل بتعبيرات مثل الوصول السيادي أو إمكانية إقامة وجود عسكري بحري.
وقد ناقشت دراسة ماهمود إشْتو تيكويا المنشورة في Fordham International Law Journal عام 2024، بعنوان Swimming Against the Current: Ethiopia’s Quest for Access to the Red Sea Under International Law، الأساس القانوني لهذا الطلب، وميّزت بين حق الدولة الحبيسة في الوصول إلى البحر وحقها في امتلاك إقليم ساحلي.
وبموجب المادة 125 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، تتمتع الدول الحبيسة بحق الوصول إلى البحر وحرية العبور اللازمة لممارسة الحقوق التي تكفلها الاتفاقية، لكن شروط هذا العبور وطرائقه تُحدد باتفاقات مع دول العبور، مع احتفاظ تلك الدول بسيادتها ومصالحها المشروعة.
![]() |
| تعتمد إثيوبيا بدرجة كبيرة على ممر جيبوتي التجاري، بينما يحتل تنويع المنافذ البحرية موقعًا مهمًا في حساباتها الاقتصادية والاستراتيجية. |
وعليه، فإن حاجة إثيوبيا إلى منفذ بحري لا تمنحها حقا تلقائيا في امتلاك ميناء عصب الإريتري أو احتلاله. وأي انتقال من التفاوض إلى استخدام القوة لفرض السيطرة الإقليمية سيطرح مسائل قانونية وأمنية تختلف جذريا عن مسألة الوصول التجاري.
وحتى 11 أكتوبر 2026، تثبت المصادر تصاعد المخاوف بشأن أطماع الوصول إلى البحر وتدهور العلاقات، لكنها لا تثبت وجود قرار إثيوبي معلن بالحرب أو احتلال إريتريا. إن احتمال محاولة فرض واقع عسكري يظل سيناريو ينبغي مراقبته، لا حقيقة يصح تقديمها بوصفها محسومة.
خاتما: من صراع الحدود إلى معركة الممرات البحرية
تكشف الأزمة الإثيوبية-الإريترية أن الصراع على الأمن في القرن الأفريقي لم يعد مقتصرا على الحدود البرية أو التوازنات الداخلية للدول، بل أصبح متصلا بصورة متزايدة بمسألة الوصول إلى البحر، والسيطرة على المنافذ التجارية، وإعادة تشكيل موازين النفوذ حول البحر الأحمر. ومع ذلك، فإن خطورة هذه التحولات لا تكمن فقط في احتمال اندلاع حرب واسعة بين أديس أبابا وأسمرا، وإنما في تداعياتها المحتملة على الدول المحيطة، وفي مقدمتها مصر، التي تتقاطع مصالحها المائية والبحرية عند نقطة شديدة الحساسية من الجغرافيا السياسية الإقليمية.
ومع ذلك فمهما بلغت خطورة الجبهة الإثيوبية الإريترية، هى لا تفسر وحدها طبيعة التهديدات التي تواجه الملاحة في البحر الأحمر. فبينما يتركز الصراع في شمال إثيوبيا على الحدود والوصول إلى الساحل، تتشكل على الضفة الآسيوية للمدخل الجنوبي للبحر الأحمر معادلة مختلفة، تتداخل فيها الحرب اليمنية، وتنافس القوى الإقليمية، والقدرة على التأثير في حركة السفن العابرة بين المحيط الهندي وقناة السويس.
هكذا تظهر أهمية الربط بين مسارات الأزمة، دون افتراض وجود خطة موحدة تجمع أطرافها. فالتطورات التي تجري بصورة منفصلة قد تتفاعل نتائجها لتفرض على مصر بيئة أمنية أكثر تعقيدا، وتزيد من كلفة حماية مصالحها في حوض النيل والبحر الأحمر معا.
ومن ثم، فإن السؤال التالي لا يتعلق فقط بمن يسيطر على الأرض في اليمن، بل بمن يمتلك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وما إذا كان الصراع على السواحل اليمنية قادر على تحويل التهديد الملاحي من خطر متقطع إلى عامل ضغط استراتيجي ممتد على مصر.
من هذا السؤال ننتقل إلى الجبهة الثانية، ألا وهى الأزمة اليمن وباب المندب في مقالنا القادم.

